القمة الأميركية الخليجية القادمة والحلف الجديد

  • تداول اسم “ناتو عربي” بموازاة “ناتو إسلامي” و”ناتو شرق أوسطي” يعكس اختلاف تركيبته وشروط عضويته ودوره.
  • صورة الحلف المثالية أميركيًا: قيادة أميركية، تمويل سعودي وإماراتي، قوى بشرية مصرية وأردنية لتنفيذ مهام الحلف.
  • لاحقا بعد تمرير صفقة القرن وتصفية قضية فلسطين ستكون عضوية إسرائيل في “الناتو العربي” تحصيل حاصل.

 

بقلم: عبد الهادي خلف

قبل ستة عقود، توافقت لندن وواشنطن على إقامة حلف أمني عسكري باسم “منظمة اتفاقية الشرق الأوسط”، عرف بـ”حلف بغداد”، وحاربه عبد الناصر بقوة وسقط بعد الثورة ضد النظام الملكي في العراق.

في 27 تموز/ يوليو الماضي، نشرت وسائل الإعلام أخباراً عن نية الرئيس الأميركي ترامب دعوة حكام بلدان الخليج العربية لحضور اجتماع قمة في العاصمة الأميركية في منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر.

تهدف القمة – حسبما نُشر – إلى “رفع مستويات التعاون بين قادة الخليج والولايات المتحدة في مختلف الأصعدة الأمنية والعسكرية والسياسية، وفي مواجهة إيران”. وأشارت الأخبار إلى أن الإدارة الأميركية تسعى أن تقرر القمة الخليجية/ الأميركية القادمة إعلان تشكيل إطار مؤسسي باسم التحالف الاستراتيجي شرق الأوسطي أو “ميسا” ( The Middle East Strategic Alliance).

الإعلان المنتظر كان متوقعاً أن يتم قبل أكثر من سنة، أي في ختام “الزيارة التاريخية” التي قام بها ترامب إلى الرياض في 22 أيار/ مايو 2017.

لم تدم تلك الزيارة أكثر من يومين، إلا إنها شهدت إنعقاد ثلاثة إجتماعات قمة: واحدة ثنائية جمعت الرئيس الأميركي بالملك السعودي، وثانية جمعته مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، وثالثة جمعته مع ممثلي نحو 55 دولة عربية وإسلامية إحتشدوا للقائه في الرياض.

ترامب وتأجيل إعلان الحلف الجديد

لم تتوصل القمم الثلاث إلى إتفاق حول إعلان الحلف الجديد. لكن يُرجح أن تأجيل الإعلان في قمم الرياض عن الحلف الجديد كان قراراً أميركياً. رغم ذلك، لا تتوفر معلومات حول أسباب التأجيل، سوى تكهنات يتعلق بعضها بشكليات من قبيل اسم الحلف المقترح، والدول التي ستشارك في تأسيسه، والدول التي لن يسمح لها بالمشاركة فيه.

في معرض تفسير قرار التأجيل يبرز ما يتعلق بعدم قدرة الإدارة الأميركية برئاسة ترامب حتى الآن على صياغة إستراتيجية متماسكة لمنطقة الشرق الأوسط برمتها، بما فيها الخليج العربي.

كما لا يمكن التقليل من أثر ما دار في كواليس القمة الخليجية بالذات من مناكفات بين الأمارات والسعودية من جهة وقطر من جهة أخرى، وتنافس الطرفين على تقديم التسهيلات السياسية والإقتصادية والعسكرية بهدف كسب ود الرئيس الأميركي.

وقد تكون هذه العوامل ترافقت معاً لتجعل ترامب، حين كان في الرياض، في غير عجلة من أمره. وعلى الرغم من “تردده” – بل ربما بسبب هذا التردد – منحته السعودية وحدها عقوداً تجارية تفوق قيمتها 380 مليار دولار بما فيها عقود عسكرية بأكثر من 100 مليار دولار.

لذلك إكتفى المشاركون في القمم الثلاث بالصياغات العامة التي تضمنها ما سمي بـ”إعلان الرياض” الذي أكد على “الشراكة الوثيقة بين المشاركين لمواجهة التطرف والإرهاب بجميع أشكاله، والتصدي لجذوره الفكرية، وتجفيف مصادر تمويله”، و”تعزيز التعايش والتسامح البنّاء بين مختلف الدول والأديان والثقافات”، و”العزم على التصدي للأجندات المذهبية والطائفية والتدخل في شؤون الدول”.

الحلف الجديد متعدد الأسماء

عادت أغلب وسائل الإعلام إلى تداول اسم “ناتو عربي” الذي كان يتردد في وسائل الإعلام في السنتين الأخيريتين بموازاة “ناتو إسلامي” و”ناتو شرق أوسطي”. يعكس تعدد الأسماء إختلافاً في تصورات المعنيين بتأسيس الحلف لجهة تركيبته وشروط العضوية فيه ولدوره الإقليمي ولدور دولهم فيه وفي مؤسساته.

من منظور المصالح الأميركية، فإن الصورة المثالية لهذا الحلف تتمثل في أن تتولى الولايات المتحدة قيادته، وتقوم السعودية والإمارات بتمويله، بينما تتعهد مصر والأردن بتوفير القوى البشرية التي ستتطلبها المهمات التي ستُوكل إليه.

في مرحلة لاحقة، أي بعد تمرير صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، ستكون عضوية إسرائيل في الحلف تحصيل حاصل. لا يوجد ما يشير إلى إن هذه الرؤية الأميركية تتطابق مع رؤى الحكام العرب في الخليج ومصر والأردن، المعنيين مباشرة بمشاركة الرئيس الأميركي في تأسيس الحلف الجديد.

في الوقت نفسه، ليس ثمة ما يشير إلى إعتراضات هؤلاء الحكام العرب على تلك الرؤية، ناهيك عن قدرة أيٍ منهم على رفضها أو مقاومتها.

من المحتمل أن يطغى دور الحلف الجديد باسمه الأميركي (“تحالف استراتيجي شرق أوسطي” – MESA) على الأدوار والترتيبات الأمنية والسياسية القائمة في منطقة الشرق الأوسط.

أقدم تلك الترتيبات وأقلها أهمية هي “معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الإقتصادي” بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية. فمنذ توقيعها في 1950، لم تلتزم الدول العربية بها ولم تترك أثراً لها سوى ما أنتجته من مؤسسات تزيينية.

من المحتمل أيضاً أن يلغي الحلف الجديد عملياً حلفين أمنيين – عسكريين بذل حكام الخليج جهوداً وأموالاً في إقامتهما والبحث عن دور إقليمي لهما، أي “درع الجزيرة” و”التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب”.

سيكون إلغاء “درع الجزيرة” تحصيل حاصل. وقد لا يشكل ذلك خسارة إستراتيجية لأيٍ من الدول الخليجية، فيما عدا البحرين التي قمع التدخل العسكري السعودي/ الإماراتي ربيعها في 2011 تحت غطاء “اتفاقية درع الجزيرة”.

عدا ذلك فهو لم يوفر منذ تأسيسه في 1982 سوى الحد الأدنى من التنسيق بين القوات العسكرية الخليجية عبر المناورات والتمرينات المشتركة. بل أصبح الدرع في حالة موت سريري منذ أكثر من ثلاث سنوات أي منذ أن ساهمت رعونة قرار إعلان حرب اليمن في إنهاء دوره الإقليمي المحتمل.

من جهة ثانية، سيفرض إعلان الحلف الجديد على حكام السعودية بالذات التخلي عن “التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب” الذي استثمر فيه محمد بن سلمان الكثير سياسياً ومالياً منذ بداية بحثه عن مخرج من الحرب اليمنية.

يضم التحالف الذي دعا لتأسيسه ولي العهد السعودي في نهاية 2015 أكثر من أربعين دولة عربية وإسلامية. وفي السنوات الثلاث التالية تمّ إتخاذ عدد من الإجراءات لتثبيت القواعد التي يتطلبها تنفيذ المشروع.

لا يُخفي ولي العهد السعودي إن التحالف الإسلامي هو حلف “الناتو” الذي ينوي إقامته ويعوِّل عليه لتحقيق طموحه في أن تكون مملكته قوة إقليمية مهيمنة وليست مجرد دولة ضمن دول أخرى خاضعة للنفوذ الأميركي.

يأمل محمد بن سلمان عن طريق الناتو (الإسلامي) أن تلعب السعودية بقيادته دور الشريك المهيمن نفسه الذي تلعبه الولايات المتحدة في حلف الناتو (الأصلي). ولهذا أعلن إن بلاده ستتحمل الجزء الأكبر من الأعباء المالية التي يتطلبها المشروع كما تحملتها الولايات المتحدة في حلف الأطلسي.

وتشير الإجراءات التي إتخذها بن سلمان الى إقتناعه بأن الدور المركزي العسكري في الحلف الإسلامي هو للباكستان النووية، وليس لمصر أو غيرها.

وفي هذا بعض ما يفسر إن أولى القرارات التي إتخذها ولي العهد السعودي لتنفيذ مشروعه الإسلامي هو تجنيد بعض كبار ضباط باكستان، بمن فيهم رئيس جهاز الإستخبارات العسكرية الجنرال أحمد شجاع باشا والقائد السابق للجيش الباكستاني الجنرال رحيل شريف الذي أُسند إليه منصب القائد العسكري للتحالف الإسلامي.

وكان لهذا الأخير دور بارز في إجتماع “مجلس وزراء دفاع التحالف الإسلامي” الذي إستضافه ولي العهد السعودي في الرياض في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وأبدى إرتياحه الى أن دول التحالف:

“سوف تعمل معاً وسوف تنسق بشكل قوي جداً لدعم جهود بعضها البعض، سواء الجهود العسكرية أو الجانب المالي أو الجانب الاستخباراتي أو الجانب السياسي، (على أساس أن تقدم كل دولة ما تستطيع) في كل مجال حسب قدراتها وإمكانياتها”.

قريباً، سيجد ولي العهد السعودي وغيره من حكام المنطقة الحالمين بدور قيادي أنفسهم مرغمين على التنازل عن تلك الطموحات كافة إرضاءً للرئيس الأميركي وأملاً في إستمرار الحماية الأميركية لأنظمتهم.

حلف بغداد بدون أعمدته

في تشرين أول/ أكتوبر القادم سيجد كثيرون أسباباً لإستعادة أجزاء من تاريخ الهيمنة الغربية على منطقتنا ومقارنتها بأحوالها الراهنة. فقبل أكثر من ستة عقود، توافقت بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية على إقامة حلف أمني/ عسكري تحت إسم “منظمة إتفاقية الشرق الأوسط” (“ميتو” بالحروف الأولى من إسمه باللغة الإنجليزية).

كان من المقرر أن تشارك في ذلك الحلف دول عربية وشرق أوسطية لمواجهة الاتحاد السوفياتي و”حماية شعوب المنطقة من الخطر الشيوعي”.

إلا إن الضغوط الغربية، وخاصة الأميركية، فشلت في إقناع قادة الدول العربية الأخرى، وخاصة مصر، بأن مصدر “الخطر الرئيس على الأمن والسلام في المنطقة هو الإتحاد السوفياتي وليس إسرائيل”.

لهذا اقتصرت عضوية ذلك الحلف، الذي عُرف فيما بعد بـ”حلف بغداد”، على تركيا والباكستان والعراق وإيران وبريطانيا. لم تصبح الولايات المتحدة الأميركية نفسها عضوا في الحلف، لكنها شاركت في أنشطته العسكرية.

لم تكتف مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر برفض الإنضمام إلى “حلف بغداد”، بل قادت حركة شعبية واسعة شملت الوطن العربي برمته في مواجهته، باعتباره حلفاً يخدم مصالح القوى الإمبريالية. وسقط ذلك الحلف بعد الثورة ضد النظام الملكي في العراق.

ستنعقد القمة الأميركية/ الخليجية القادمة في واشنطن قبل ثلاثة أسابيع من إعلان الرئيس الأميركي عن الدفعة التالية من العقوبات على إيران والتي ستشمل حظر تداول النفط الإيراني. ولهذا لا يتوقع أحدٌ أن يسمع الرئيس الأميركي إعتراض أيٍ من ضيوفه الخليجيين والعرب على رؤيته للحلف الجديد في الشرق الأوسط…

أي حتى لو لم تتضمن وثيقة إعلان ولادة التحالف الاستراتيجي شرق الأوسطي – “ميسا” ما يشير صراحة أو ضمناً إلى عضوية إسرائيل فيه. فلقد وافق أغلب هؤلاء على الشعار الأميركي القائل بأن “الخطر الرئيس على الأمن والسلام في المنطقة هو إيران وليس إسرائيل”.

* د. عبد الهادي خلف أكاديمي بحريني أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة لوند ـ السويد.

المصدر: “السفير العربي”

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.