عركة يوسف باعوضة

عركة يوسف باعوضة

تسجيل المكالمات وتناقلها عبر تطبيق واتس اب، كان سمة “مجتمع التنكيت” في مصر والعالم العربي في الآونة الأخيرة، والتعليق عليها كتريند من قبل معلقي “مجتمع الميمز” في عالم التواصل الاجتماعي، لذا فمن غير المعقول انتشار مكالمة مثل مكالمة يوسف باعوضة دون أن تكون مادة أيام من السخرية تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

كأي أسطورة يمكن ملاحظتها بالعين أحيانا وإن لم تكن دقيقة إلى حد ما، فإنه من المعروف على المستوى السينمائي على الأقل، أن الثمل “السكران أو المصطبح أو المسطول” يعبر عما بداخله دون محاولة تزيينه حتى، عوضا عن إمكانية كتمانه، ولعل أسطورية تلك الفكرة تكمن في سطحيتها باعتبار الثمل سيقول كل الأسرار التي ينبغي عليه إخفاءها بشكل واضح وصريح. إلا أن الأمر أكثر رمزية من ذلك، ولعل تلك الرمزية تمكننا من فهم أكثر عمقا ليس لواقع الشخص الثمل والإطار الذي “اصطبح به” ولكنه يمكن البحث من خلاله الوسط الاجتماعي ككل.

علميا في دراسة أجرتها جامعة ميسوري الأمريكية، تبين أن الأمر مختلف.

الدراسة أجريت على 156 حالة تم منحهم الفرصة من أجل كتابة وصف لشخصيتهم وهم واعين تماما دون أي آثار مخدرة، ثم طلب منهم الأمر نفسه لكن هذه المرة وهم في حالة ثمالة “سكر، سطل”.

وفق نتائج تلك الدراسة تبين أن ما كتبوه عن أنفسهم في الثمالة هو ما وصفوه ذاته وهم في حالة واعية، إلا أن الاختلاف في كون ما وصفوه في حالة الثمالة كان أكثر طلاقة دون أي تنميق أو وجود محاولة لذلك.

بحسب دراسات أخرى فإن المخدر يؤثر عادة على القشرة الدماغية ما يجعل العقل أكثر صفاءا ويرفع الدوبامين ما يجعل الشخص أكثر سعادة أو “خفة” إلا إنها قد تكون سعادة مزيفة، حيث يتعامل مع واقعه بشئ من الانفصال.

قد يبدو لك هذا الكلام العلمي مملا ومكررا وهو كذلك فعلا، لكنه مهم، وبالرغم من أهميته إلى أنه من المهم أيضا فتح المجال لكلام ألطف وأقل رسمية.

فتى يسأل عن يوسف صلاح ويشتم زياد ويسأل هل أنت يوسف باعوضة ثم يطلب منه: “لو قاعد جنبي فوقني” مضيفا “يسطا انا سكران افوق ازاي” ثم يكمل “مين اللي بيكلمني”، هذا الشئ المأساوي مهلك من الضحك، هذه هي الحقيقة.

أحد أهم أخصائيي علاج الإدمان في مصر ونائب رئيس مستشفى للطب النفسي، أشار إلى أن ما حدث في المقطع يعد درجة من الهلاوس، لافتا إلى أن ذلك “ليس بفعل الحشيش ولكن الاستكروس”،  اختلف كلام الدكتور عندما ألمحنا إلى أن المقطع المسجل جرى تداول معه ملحوظة أن الشاب يتعاطي الحشيش لأول مرة، “اها لو أول مرة فالأعراض فعلا ممكن تكون كدة فعلا” كلام الدكتور أحمد.

تعليقا على ما قاله يوسف باعوضة في المقطع المسجل، رامي وصف لنا الفارق بين مسطول وسكران، حيث أبلغنا أن لفظة “سكران” عادة ما تطلق على من يتأثر عقله بشرب الكحول، بينما “مسطول” تطلق عادة على من يتعاطى مخدر الحشيش ويؤثر على عقله “يخليه يروح يعني”. منوها بأن ذلك أصبح خطأً لغوياً شائعًا وقد وقع فيه يوسف باعوضة لكن رأينا أن المجتمع ككل أصبح منشغلا بأشياء أخرى أكثر أهمية بالنسبة له من البلاغة.

الشهير في أمر الثمالة يعبر غالبا عن تعاطي الكحول، وفي الثقافة المصرية التي يمكنها التصالح مع الكحول في الأفلام فقط، حيث الكحول من “المحرمات” التي لا يمكن الالتفاف عليها، في حين يمكن الإلتفاف بكل سهولة على “حرمانية” مخدر مثل الحشيش، الذي يمكن للفرد التخلي عن الشعور بالذنب بجملة بسيطة محفورة في أذهان الوعي الجمعي لـ”أهل الصنف”: “لو حلال ادينا بنشربه ولو حرام يبقى ادينا بنحرقه” وهو ما يشبه البارانويا.

باعتبار أن “الدماغ” أنواع فإن لكل “كيف متكيف” كما يقول المثال الشعبي “كل فولة ولها كيال”، بل إن لكل “كيف” تنظيراته الخاصة وقناعاته الشخصية، يعني كمثال الحشيش فإنه يشتهر بكونه المخدر الشعبي الجميل الهادئ مقبول السعر، كما أنه لا يعد خمرا وهي الكلمة المتبوعة دوما بـ”العياذ بالله” أو كلمات من هذا القبيل، أو في أوساط أكثر شعبية وأكثر تطورا يسمى الكحول بـ”المية -أيوة زيما بتقول مية الشرب العادية عادي”.

ولعل الجملة الأوقع بهذا الشأن ما قاله نجاح الموجي الممثل المصري الراحل في دوره “الهرم” بفيلم داود عبدالسيد (الكيت كات): “دماغ البيرة دي دماغ خواجاتي أوي” وهو ما يعبر عن كون شخصية الهرم شخصية شعبية أصيلة لديه تفضل الحشيش على الدماغ الخواجاتي.

يذكر هنا أن الفيلم يرصد المجتمع المصري في بدايات تسعينيات القرن الماضي، حيث تصل الرأسمالية إلى المجتمعات الشعبية كمناطق الكيت كات وغيرها، بحسب المؤلف الذي يروي لنا حكايات تفاعل تجارة الحشيش والسوق الرأسمالي والملاك المحالين للمعاش.

على صعيد آخر فإن منظروا المذهب الكحولي يرونه أكثر برجوازية و”تحضراً”، بالرغم من أن ذلك الكيف قد أخذته طبقة جديدة ممن يسمون أنفسهم “مثقفين” في بداية تمرد ما على المجتمع وصل إلى حد الإنفصال التام عن الواقع من قبل الكثيرين وبناء المجتمعات الموازية المتعالية ذات الأفكار الأكثر سطحية وتعالياً بحسب أفلام الدولة عن المثقف الشيوعي المنفلت.

يقول هيثم أن الكحول غالي الثمن مقارنة بالحشيش، “ليه اشتري ازازة بيرة بعشرين جنيه، لما ممكن اشارك بالعشرين دول مع خمس تانيين ويجيبوا حتة حشيش تعمل دماغ أنقح” هيثم شخص لا يتحدث عن التوفير ولكنه يبحث عن أعلى جودة بأفضل سعر اقترحنا عليه العمل كمندوب مشتروات هيكون شاطر.

رامي -اسم مستعار- مهندس معماري، يبلغ من العمر 38 عاماً يقول أنه جرب الحشيش في وقت متأخر -على حد تعبيره- فقد كان عمره وقتها 30 عاما، ولم يجبره على ذلك معاناة من ضغوطات أو حالة نفسية سيئة، يقول: ” ماكنتش بادخن .. شربت حشيش قبل ما ادخن سجاير، كان مع واحد صاحبي وكان طول الوقت بيشكر في إحساسه فقلت اجرب”، “كنت رافض التجربة فترة طويلة بس في مرة قلت طب ما اجرب مش هاخسر حاجة”.

يقول رامي: “اعتقد انه في الوقت الي جربته كان وقت باثور فيه على حاجات كتير قوي سلمت بيها بدون اختبار”.

عركة ما بعد التعويم

هيثم طالب في المعهد الأزهري الثانوي -اسم مستعار اختاره لنفسه- بعد فرك رأسه طويلا وتمحاولة التفكير بشكل مفتعل، حيث قد طلب منه التفكير قبل الإجابة، يؤكد أنه بدأ “التجريب” بلا أي سبب يمكنه ذكره، إلا أنه أكد أنه كان يرغب في ذلك، “كانوا قاعدين بيلموا فلوس علشان يجيبوا حتة، سألت هدفع كم قالوا عشرة جنيه فقلت تمام ودفعت”. يضيف “واحد من بينا بيعرف يرول، بعد ما خلص رل، دارت السيجارة ورا التانية علينا لحد ما بدأت احس إن دماغي بتروح مني وقتها وقفت وبدأت أشم الدخان بس”.

هيثم لا يحب أن يفقد عقله غريزياً على الأرجح، لكنه في النهاية أكمل طريقه.

دكتور أحمد يؤكد أن أغلب متعاطي المخدرات يفعلون ذلك بدافع التجريب، “واحد جه لصاحبه قاله جرب لو انت زعلان، مودك هيظبط (..) يقوم مجرب، ممكن تعجبه الحالة المزاجية اللي بيعملها المخدر فيكمل، ويتحول لمدمن أو  يمكن التجربة ما تعجبوش ده فما يكررهاش، وده متوقف على سلوك الشخص نفسه”.

يبدأ المقطع المسجل المتداول بصوت جرس يرن ثم يرد، شاب عرفنا من خلال الحديث ان اسمه يوسف، ويحدثه أحد مرافقي “المصطبح الجديد” الذي يبدو في ورطة، يقول “ايه يا يوسف .. يسطا افوقه ازاي؟ (في إشارة للمسطول الجديد)” يبدو أن التجربة الجديدة أفلتت الشاب عن كل ما هو متعارف عليه في قانون التحشيش وأصوله وأصبح من الصعب إيقافه، يتحدث الرجل عن تكسير وضرب، وفلتان على النظام العام المتبع أثناء “الضرب” لكنه لا يبدو غاضبا مثل دولة أفلت أحد معارضيها، يمكن أن يكون “لاقاه زادت شوية عن الحد وعايز يلم الموضوع”.

الكلام العلمي “الممل بحسب القارئ غير الشاطر”، يقول أن تأثيرات السكر أو السطل علميا له عدة مراحل، المرحلة الثانية منها التي تأتي بعد مرحلة الامتصاص الأولى، يمكن تسميتها مرحلة تغييرات في السلوك حيث تأثير يبدأ في عمله عن طريق الاخلال بوظائف التفكير والتحليل المنطقي ليجعل الشخص المتعاطي أكثر عشوائية، وهو بداية التأثير على الأنا الأعلى بحسب نظرية فرويد في علم النفس، كم أنها مرحلة يكون فيها المتعاطي أكثر تفاعلا ونشاطا.

في بحث نشره الباحثون السوريون يقول أن ذلك قد يجعل الشخص أكثر نشاطا اجتماعيا في التفاعل مع من حوله، لكن ذلك قد يكون مصحوبا بتصرفات غير لائقة. يذكر تامر أن أغرب ما شاهده من أفعال زميل له في “الضرب” هو ما فعله سكير قال له “أنا بحبك انت اكتر من كل دول علشان وسخ”.

تامر يحب أن يحكي عن الاصطباح والتحشيش والمغامرات، اسمه حقيقي ولكنه لا يريد أن نذكر عنه أي تفاصيل أخرى.

لكن في حالة موقف تامر مع زميله في الضرب، فإن الوقاحة شخصية أكثر منها عامة، إلا أن صاحب الصوت في المقطع المسجل المتداول -لا ندري ان كان اسمه يوسف باعوضة فعلا ام لا لكننا سنعتمد ما هو متداول- لم يخبرهم بشئ، فقط بدأ تدوير الضرب بهم جميعا ثم التكسير في حالة أشبه بثورة على كل ما حوله.

رامي جرب شرب الحشيش في وقت كانت الثورة المصرية انتصرت فيه تقريبا، وقد كان لا يحبذ الأمر لأسباب شخصية قالها لنا: “كنت رافض علشان السمعة السيئة للمخدرات بشكل عام، وأنا كنت شاب كيوت من عيلة كيوت مايصحش يعمل الحاجات الوحشة دي”، (رامي مازال كيوت على الأغلب بس بيعمل حاجات وحشة).

في حالتنا الاجتماعية فيما بعد هزيمة الثورة فإن الإحباط قد يكون دافعا للتحشيش في بعض الأحيان، أثناء الثورة كان نموذج وائل غنيم الشاب الوسيم المنمق صاحب المشاعر اللطيفة الذي يتحدث ويبكي بلباقة شديدة هو المثال. شباب زي الورد عملوا ثورة ضد الفساد شالوا حاكم مستبد وبدأوا في حلمهم في أن تكون مصر نظيفة جميلة ومتطورة، كنسوا شوارع الميدان وأصلحوا ما فسد، ليتركوا المكان أفضل مما كان، ثم وجدوا أنفسهم متجهين إلى أروقة السياسة ليكتشفوا  أن الأمر أصعب مما تخيلوا وأبعد عن أيديهم أو حناجرهم.

يعني بالنظر إلى ثورة الثمانية عشر يوما سيكون الأمر معروف ببداهة جدا تجمعوا بالملايين في كل المحافظات الأمر خرج عن سيطرة السلطات تنحى الرئيس، لكن كيف ننصب رئيس جديد؟ تم تنصيب رئيس جديد من هو؟ لا احبه؟ ننزل من جديد المشهد مقارب لمشهد الثمانية عشر يوما، أو “اللقطة بتعبير كاتبة مقال عركة الفلوس والصور على موقع مدى مصر”، لكن اللقطة لم تكن بنفس الجدية، كما أنهم ليسوا الفاعلين الحقيقيين، هناك فاعل آخر أقوى بفكر جديد مختلف وبأساليب جديدة لن يجدي معه لقطة ثالثة في الميدان لأنه أصبح مقفول اصلا.

هذا بالنسبة لأحد المهتمين بالشأن العام منطقي وببداهة يمكن لأي تحليل منطقي إرجاع سبب الإحباط إلى هذا المبرر، لكن في حالة كحالة تامر أو هيثم فالأمر مختلف. شبان في مقتبل العمر لم يشهدوا الثورة حيث كانوا اصغر من استيعاب الأمر فقط يمكنهم الترديد وقتها بصوت ناعم “يسقط يسقط حسني مبارك أو مرسي يعني أو أي حد تاني (مش مهم نذكر اسمه)”، لكنهم استوعبوا الأحداث التالية، أو بالأحرى استوعبوا النتائج ووصلت إلى إدراكهم.

يرى الدكتور أحمد أخصائي علاج الإدمان، أن المسؤولية فيما يتعلق بالادمان تكون أسرية بالدرجة الأولى، “ربوا العيال شوفوا بيتفرجوا على ايه من وهم صغيرين، الواد تلقيه كم سنة وبيتفرج على فيديوهات على اليوتيوب ومش المفروض تكون متاحة للي في سنه”.

يقول تامر وهيثم أن الحال العام لا يهم كثيرا بالنسبة لهم وإن كان سيئا، طيب هل واقعك يعجبك؟ “يعني.. بعمل اللي انا عايزه” والمستقبل يا هيثم “مش عارف لما يجي وقتها اكيد هلاقي شغل واشتغل منا بشتغل دلوقت وبجيب فلوس كويسة” بتقبض كم؟ “1500 جنيه” بيكفوك؟ “طبعا ياعم انا عايش مع اهلي باكل وبشرب والفلوس اللي بقبضها مصاريفي انا بس”.

يبدوا أن والده المطحون وسط أشغاله لا يأبه بالولد وبالرغم من أنه لا حق لنا في الحكم على الرجل، إلا أننا قد نقترح أن والده يعجبه الحال، ومبرره: “الولد بيشتغل وبيجيب مصاريفه، ياخد جزء من حريته ويعمل اللي هو عايزه، ما دام مش هياخد مني أكتر من فلوس الدراسة وبياكل في البيت، ومش هيجي يطلب مني اجيبله هدوم أو اديه يطلع رحلة”.

لكن رحلة هيثم وتامر بالإضافة إلى يوسف باعوضة وأقرانه من أصحاب المقطع المسجل، تكمن في تساليهم سويا في الجراج او في مكان مفتوح في المدرسة أو السايبر الزمن اختلف “يا حاج”.

“صاحبت صاحب أقوله عركة يقولي مراحب” هذا مقطع من أغنية شعبية أو قل مهرجان يمكننا تخيله في رأس يوسف باعوضة وهو يشكو للأخ الأكبر وينتظر أن يكون ذلك الصاحب. في وقت حقبة سياسية واحتماعية سابقة، كان ورود مثل هذه الجملة في أي أغنية شعبية تعد “إسفافا” بالنسبة لأولياء الأمور كما أن الرقص عليها نقص في الرجولة، إلا أنه حاليا وبمشاهدة معممة وجلية، فإن  الأفراح تقوم على مثل تلك المهرجانات والرقص عليها أمر متصالح معه، ليس من باب اعطه حريته أطلق “وسطه” ولكن “هيهب فيا وأحرج نفسي ليه قدام الناس”، ربما لا يكون هذا معيار حرية ما ولكنه “قلة أدب”. “بشكل شخصي قلت لوالدي وأنا في فترة المراهقة يا عم فثار غضبه بشكل ما” تذكرت ذلك الآن، مما يظهر أننا في حالة عامة من “قلة الربايا”.

تامر يقول أن أسرته تشك في أنه يتعاطى مخدر الحشيش، لكنهم لا يواجهونه، لو واجهوك؟ “مظنش هيحصل إلا إذا حصلت كارثة”. لا يعتبر رامي شربه لمخدر الحشيش كارثة كبيرة قد يكون الأمر بالنسبة لكثيرين أمر غريب، لكن وللغرابة الأشد فإنه يضع في حسبانه إمكانية وقوع كارثة أكبر أو كارثة على حد قوله. هذا وسط كون الأمر اجتماعيا قد يكون قارب العادية.

هيثم أكد أنه لا أحد يهتم كثيرا “ولو عرفوا يعني ديتها خناقة واسيب البيت شوية، وابويا يجيب حد يصالحنا واوعده اني هبطل وخلاص” وهتبطل فعلا: ضحك بس.

حد يعرف انك بتدخن حشيش؟، رامي: “لا مش كل الناس تعرف انا عموما شخص مش بحب كل الناس تعرف انا باعمل ايه بغض النظر عن حكمهم على اللي باعمله مش باحب حد يعرف عني اكتر من اللي محتاج يعرفه”، لو والدتك عاتبتك؟ “والله انا بحاول على قد ما اقدر اوصلهم صورة مثالية عني، لكن لو امي/ فهي بتقارن الصح والغلط باللي انا باعمله، يعني لو عرفت اني بشرب حشيش يبقى اكيد الحشيش حاجة حلوة”، واستطرد “بس عموما لو انت قصدك احط نفسي في الموقف يعني فأنا ممكن ابطل الحشيش فورا لو حسيت أنه هيأذيني أو يأذي اي حد يهمني”.

طبيب الإدمان أكد أن الإدمان لا يتعلق بنوع المخدر ولكنه يتعلق بسلوك الفرد نفسه الذي يتعاطى المخدر، مبينا الفارق بين المدمن والمستخدم “مش معنى أنه واحد جرب أو بيشرب كل شهر مرة انه بقى مدمن”، لكنه في الوقت ذاته أكد أن من يحدد هذا الأمر ليس كاتب التحقيق ولا الحالة التي تتعاطى المخدر، لافتا إلى أن هناك ما يسمى بحالة الإنكار وهي التي تنتاب الشخص الذي يتعاطى المخدرات في التأكيد لنفسه صوابيته وعدم ارتكابه أي أخطاء بحق أحد.

يستطرد دكتور أحمد القول بأن آخر تقرير للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان في مصر، أشار إلى أن نسبة ضخمة تستخدم المخدرات من بينهم نسبة من المدمنين، لكنه يؤكد أن أضرار تعاطي الحشيش ليس في الإدمان نفسه فقط، ولكن هناك أضرار أخرى ليست بالهينة.

“أنا مش مدمن لو عايز ابطل هبطل” قالها تامر بصرامة شديدة لكنه كان “متنح” وكأنه يتأهب لعركة، وكأنه يُبرز مسؤوليته عن نفسه بالرغم من صغر سنه،. المسؤولية في وجهة نظره هي كونه يفعل ما يريد وقت ما شاء، وإن كان هذا نوعا من أنواع الحرية فهي إلى حد كبير وبشكل تربوي بحت هي حرية غير مسؤولة، أو انفلات عن أي مسؤولية تتعلق بالقيم والمبادئ أيا كانت، يعني لو قال بحشش علشان ضغوطات اجتماعية واقتصادية مثل “الشيخ حسني في الكيت كات” لكان مبرره أكثر وجاهة على حد نظرة قيم المجتمع فيما قبل 30 يونيو أو ما قبل تعويم الجنيه ولكنها قيم مجتمع ما قبل النصف الثاني من عام 2012 على الأرجح.

يعيش المجتمع واقع من التفاعلات شديدة العنف أقرب إلى العراك (لذا استعرنا كلمة عركة في العنوان من مقال مدى مصر المشار له بالأعلى)، عركة المجتمع المصري قد يكون يوسف باعوضة المجرب الجديد لمخدر الحشيش جزءا أو وحدة مصغرة منها، فهي تبسيط لاحساس عام بالقهر، فتى يتماسك قدر الإمكان ولا يريد البكاء وبصوت متهدج يقول أن أحدهم ضربه في أنفه، ويريد حقه ولا يرى من ضربه ويستعين بباعوضة أو يوسف صلاح على حد قوله ليأخذ له حقه، ووسط المكالمة يجد نفسه لا يعرف من يكلم “انت يوسف باعوضة .. لا أنا يوسف صلاح.. انا حد ضربني وعايزك تاخدلي حقي (..)” الأخر الكبير “اديني حد من الموجودين معك أكلمه” ليرد “مين معايا أنت مين”.  ثم يكمل “افوق ازاي”.

لا يعرف المتعاطي اين يبيت “معرفش هنام فين انا نايم في الهوى”، علميا تلك هي المرحلة الرابعة في عملية السكر، وهي المتعلقة بالمشاعر والذكريات، بحسب بحث “الباحثون السوريون”، فإن الشخص الثمل أو السكران في تلك المرحلة سيشعر بما خُزن في منطقة الحصين ” بالإنجليزية: Hippocampus” في الدماغ والتي تتحكم في المشاعر والذاكرة، فإن كان المخزن تفاؤلًا أو فرحًا فسيكون السكران سعيدا بدرجة مبالغ بها، بينما إن كان مقهورا أو حزينا فسيشعر بالاكتئاب أو مشاعر أخرى تتعلق بالحزن والقهر.

الاخ الكبير الذي يكلمه الشاب المسطول، لا يخبره أنه لا يستطيع التصرف، يصمت لوقت بين كل جملة وجملة، يبدوا انه يفكر، يطلب منه أن يعطي الهاتف لأحد الفائقين أو المسطولين “المتعودين” ليتم حل الأزمة أو “التنزيل من على دماغه ليخلص من هذا الحوار” ولا تهتز صورته كأخ كبير أمام رفاقه.

في تلك الفترة الزمنية السياسية الأخ الكبير لابد له سلطة فوق دستورية، يستطيع صنع حلول جذرية قد تقضي على كل شئ لكنه لا يعرف غيرها للحل، وهو ما لم يؤهل “يوسف صلاح” الأخ الكبير لشلل الضرب من أجل حل المشكلة فالحل الجذري في تلك اللحظة أن يقوم “بتكتيفه” ويأخذه إلى الحمام ليسكب على رأسه الماء، هو ليس بيده تلك السلطة كونه بعيدا وإن كان بينهم ربما لن يُسمح له بذلك من البعض الراغب في متعة ضحك أكبر، وإن كانوا تضرروا من انفلاته غير المعقول، أو ربما لن يسمح له المسطول الجديد بهذا الأمر وفق مبدأ “لو قدرت عليا وريني”.

يرى دكتور أحمد أن عوامل كثيرة وراء انتشار المخدرات وتعاطيها، مؤكدا أن الحل ليس في المنع أو التقنين، أما عن التقنين فقد أكد أنه خطر بدرجة كبيرة جدا حيث سيجعل المخدر متاحا للجميع ويتم بيعه وشراءه وربما يتحول الأمر إلى سوق المعروض فيه أكثر من الطلب ما سيدفع البائعين للترويج عن بضاعتهم، طيب هذا بما يتعلق بالتقنين، لكن فيما يتعلق بالمنع: “لو الدولة قامت بإجراءات مشددة للسيطرة على المخدرات ومنعتها هيحصل ايه، هيتم البحث عن بدايل يتعاطوها ما هو عندنا أنواع مخدرات كثيرة لم تكن مخدرات في البداية مثل الاستروكس مثلا ودلوقت بقوا بيغشوه”.

تعيش الحالة السياسية المصرية مرحلة غير مسبوقة من تحرر الدولة من مسؤولياتها تجاه الأفراد، وفق الوقت ذاته لا يوجد مقابل لذلك التحرر يمنح المواطنين حريات في مواقع أخرى، إذ أنه وضع ما بعد هزيمة ثورة شعارها الأول كان الحرية، وإدراك الوعي الجمعي لتلك القيمة على المستوى الاجتماعي أصبح أكثر انفلاتا من انفلات الاجراءات الحكومية للسيطرة على المناخ العام.

ربما يوسف باعوضة وهيثم وتامر وغيرهم يعيشون واقع مغاير لواقع رامي كثيرا، فوضع ما بعد الهزيمة يعد مختلفا اختلافا جوهريا، فالتفاعلات والنقاشات السياسية اصبحت متوقفة عند: “ربنا يعديها على خير” بينما رامي وقتها كانت النقاشات أكثر احتداما وتفاعلا وعنفوانا ويبدو أنه مازال متصالحا مع البنية الاجتماعية التقليدية او القديمة، بينما الواقع الحالي بات أكثر عنفا وأقل عنفوانا ونشاطا وحيوية، حيث أن العركة السياسية الآن مقتصرة على “وانا مالي هتحبسنا ياعم”، أو “هنعمل ايه يعني ما باليد حيلة”، ويبدو أنهم يشكلون بنية اجتماعية جديدة، مبنية على “ملكش حاجة عندي”، أو بنية اجتماعية أساسها مأساة أن يقفز شابا من القطار خوفا من السلطة أو حتى بتحليل نفسي آخر رغبة في عدم الامتثال لتهديدات الكمسري واستكبارا على فكرة أن يكون انسانا مهذبا يجب أن يمتثل لكمثري يعطيه تعليمات بتهديدات وحشية كجعله يقفز من القطار.

“ماتبكينيش على حالي”

لا يمكن إيلام هؤلاء الشباب وعلى رأسهم يوسف باعوضة على ما يفعلونه باعتباره جرما كما تروج له الرأسمالية -باعتبار سلطاته تحاول أن تأخذ من المنتجين (البشر يعني) أكثر قدر ممكن من الانتاج ولن يحدث ذلك إلا في حالة واعية-، أو باعتباره فعلا منافيا للأخلاق باعتبار أن المجتمع نفسه لم يعد يراه كذلك لأسباب قد نكون فصلنا بعضها بالأعلى، إلا أن السؤال عن صحتهم كان هاما.

هيثم قال لنا “ما انا فل اهه بشرب ومش بيجرا حاجة” بس الحاجات دي تأثيرها على المدى البعيد يا هيثم، ليجيب “هيحصل ايه يعني هموت.. ما كلنا هنموت”، هيثم غير مقدر لما يقول إلى حد كبير، كما أنه غير مقدر لصحته التي تعد مسؤوليته حتى لا يحتاج إلى أحد وفق مبدأه، إلا أن ذلك الكلام لم يلاقي اجابة لديه، بينما تامر قال “نفسي اتوب والله بس هعمل ايه، وربنا غفور رحيم”.

الأخ الأكبر يقول “هنجوع ما نجوع المهم نبقى كدة”، أو اعتبار فناء جيلا بأكمله من أجل خلق “جيل عظيم” أمرا غير مهم بدرجة كبيرة، لذا فإن القيمة الإنسانية التي تبحث عن الحفاظ على صحة الخلق وطعامهم باتت قيمة غير مهمة في سبيل صناعة المجد، وهي فكرة ذات واجهة إذا ما قورنت بواقع عالمي أوسع.

* أحد المصادر رفض المقابلة وهو رجل في النصف الثاني من العقد الأربعين من عمره، وأبدى حزنا كبيرا عندما حاولنا طلبه للتعليق، لكنه اعتذر بلباقة وأغلق مع الكاتب الاتصال، ومن الحالة العامة له تخليناه يقول: “بقولك ايه ما تبكينيش على حالي”.

** جميع المعلقين عرفوا عمن اتحدث عندما تم ذكر اسم يوسف باعوضة في مقتبل عرض الفكرة، إلا أن الدكتور أحمد طلب لينك الفيديو.

موضوعات قد تهمك:

الاستروكس

مأساة العنف الأسري