هل من تعويض لسود أمريكا؟

هل من تعويض لسود أمريكا؟

  • كأن بحث المظالم التي وقعت في التاريخ الأمريكي يخص السود وحدهم لا المجتمع الأمريكي بأسره.
  • إنشاء لجنة لتقصي الحقائق قد لا يحظى بالحد الأدنى من الدعم فكيف بتحقيق العدالة بناء على تلك الحقائق.
  • فرص تحول مشروع قانون بتعويض سود أمريكا عن قرون العبودية لا تزال محدودة للغاية وأمامها طريق صعب وطويل.

* * *

بقلم | منار الشوربجي

للمرة الأولى في التاريخ الأمريكي، يعقد مجلس النواب جلسة استماع بخصوص مشروع قانون يقضي بتعويض سود أمريكا عن قرون من العبودية ثم عقود من الفصل العنصري والتمييز. لكن فرص تحول المشروع لقانون لا تزال محدودة للغاية وأمامها طريق صعب وطويل.

فالنائبة السوداء «شيلا جاكسون لي» تقدمت في مارس الماضي بالمشروع لمجلس النواب، فتم تحويله، كما هو معتاد، للجنة القضاء صاحبة الصلاحية لمناقشته والبت فيه.

وقد قامت اللجنة بعقد جلسة استماع الشهر الماضي. أما مجلس الشيوخ، فقد تقدم بالمشروع نفسه السناتور والمرشح الرئاسي الأسود كورى بوكر، لكن المشروع لم يتحرك قيد أنملة بعد تحويله للجنة القضاء.

حين قرأت عن تلك التطورات الجديدة تذكرت على الفور أسماء ثلاثة من الرموز السوداء التي لابد من ذكرها كلما ذكرت قضية التعويضات.

أولها هو اسم نائب سابق بالكونغرس جون كونيرز، الذي ظل على مدى عقدين ونصف يتقدم بالمشروع نفسه الذي تقدمت به النائبة جاكسون لي إلى مجلس النواب فيتم تحويله للجنة القضاء، ولكنه يظل بها دون أي تقدم، فيعود الرجل لتقديمه في الكونجرس الجديد.

وقد حمل مشروع قانون جاكسون لي الرقم نفسه الذي كان يحمله مشروع كونيرز، وهو الرقم (40) لأن له دلالة رمزية مرتبطة بالقضية، ذلك لأنه يمثل حجم مساحة الأرض التي كان قد تم التعهد بمنحها لكل عبد معدم تم تحريره ليبدأ حياة جديدة.

وهو التعهد الذي لم ينفذ أبداً، فظل المحررون بلا مورد رزق وورثوا الفقر لأجيالهم التالية. ومثله أيضاً مثل مشروع جاكسون لي، فإن مشروع قانون كونيرز لم ينص على أية تعويضات.

كل ما في الأمر أنه ينشئ لجنة تقصي حقائق يخصص لها تمويلا لتقوم ببحث الآثار الاقتصادية والاجتماعية والصحية على حياة أجيال متتالية من السود والتي نجمت عن قرنين من العبودية ثم أكثر من نصف قرن من الفصل العنصري وما تلاه من عنصرية مؤسسية لا تزال تطل برأسها حتى اليوم.

والاسم الثاني، فهو جيمس فورمان، أحد الزعماء الراديكاليين لحركة الحقوق المدنية والذي دعا عام 1969 لتعويض السود عن تلك المظالم التاريخية، مطالباً كنائس البيض تحديداً بدفع 500 مليون دولار للأمريكيين السود.

أما الاسم الثالث، فقد ارتبط عندي بكتاب صغير بعنوان «الدين». والكاتب هو راندال روبنسون الحاصل على الدكتوراة في القانون، ومؤسس منظمة «ترانس أفريكا»، التي كانت من أهم المنظمات السوداء التي لعبت دورًا في مناهضة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

رغم أن روبنسون لم يكن أول من دعا لتعويض السود إلا أن التعويضات ارتبطت باسمه أكثر من أي كاتب أمريكي آخر. وهو في كتابه، «الدين»، يناقش في أسلوب سهل وبسيط قضية التعويض وأسبابها وكونها ليست المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها المطالبة بل ودفع التعويضات لمن وقعت عليهم المظالم التاريخية.

واليوم وبعد كل تلك العقود، كانت تلك هي المرة الأولى التي تنعقد فيها جلسة استماع لمناقشة مشروع القانون. وقد دعت اللجنة عدداً من الشخصيات للشهادة.

فمن مؤيدي المشروع تم دعوة الكاتب المعروف تاهيسي كوتس والسناتور كوري بوكر ومعهما الممثل داني جلوفر. أما المناهضون للمشروع فكان على رأسهم لاعب الكرة بورجس أووينز، والكاتب كولمان هيوز.

لكن أسماء الشهود أنفسهم كانت تحمل دلالة لا تخطئها العين تشير إلى أن تعويض السود لا تزال مسألة بعيدة المنال. فقد كان لافتاً للانتباه أن كل الشهود، المؤيدين والمناهضين، للمشروع من السود وحدهم، وكأن بحث المظالم التي وقعت في التاريخ الأمريكي تخص السود وحدهم لا المجتمع الأمريكي بأسره.

وهو مؤشر يدل على غياب الجدية المطلوبة للتعامل مع الموضوع. وهو ما يعني أيضا أن مجرد إنشاء لجنة لتقصي الحقيقة لو حظي بالحد الأدنى من الدعم، فما بالك بتحقيق العدالة بناء على ما ستكشف عنه تلك اللجنة من حقائق.

* د. منار الشوربجي أستاذ العلوم السياسية المساعد، مختصة بالنظام السياسي الأمريكي.
المصدر | البيان – دبي

موضوعات تهمك:

أمريكا أكبر سجن فى العالم

مرض العنصرية المقيتة

إسرائيل والغرب: القيم المشتركة للعنصرية والاستعمار الاستيطاني

 

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.
t>