حوار مع الفنانة السورية عزة البحرة عن الثورة والفن وأشياء أخرى

حوار مع الفنانة السورية عزة البحرة

الثورة، حركة لكسر أفق ضيق وصناعة أفق أرحب، يستطيع الناس فيه أن يعيشوا ما يريدون، الفن أيضا يؤدي نفس الدور تقريبا، ولكن بشكل نظري، وإن كان التمثيل يعد محاكاة للقصة فإن القصة ذاتها قد تكون ثورة، أما عن الفن الوطني فبحسب عزة البحرة لا يأتي سوى من الفكر والحرية.

من ذلك قد نعتبر أن الفن ليس فعلا ثوريا في ذاته، وإن كان جانب كبير من الفن والإبداع يعد محاولة ثورية، لذا فإن محاولة الربط بين الفن والثورة والوطنية قد يكون أمرا غير دقيق.

في حال الهزيمة لا يمكننا أن نقوم بمقاربة شبهية بين الفن والثورة، ولكن غالبا يمكننا أن نتحدث عن الفن كأداة تصحيحية، أو كأداة نمارس بها عدميتنا.

جورج أورويل، كان له عبارة تقول أن “المنتصر دائما ما يبدو وكأنه لا يُقهر”، لكن في الحالة الثورية فالمنتصر على الثورة يصنف كناجٍ وليس كمنتصر، وفي حالة أشد خصوصية كحالة بشار الأسد فإننا يجب أن نعامله كناجٍ مؤقت، لذا فبالتأكيد حالة الركود الفني لابد وأنها راحة مؤقتة.

في حوارنا مع الفنانة السورية الأستاذة عزة البحرة إحدى أعمدة الدراما السورية .. بدأناه بالسؤال عن الفنان والثورة؟

وفي إجابتها قالت: الفنان موقفه من الثورة هو موقف أخلاقي بالدرجة الأولى، عليه واجب أخلاقي في تأييد الثورة، ليس فقط في سورية، ولكن كل الثورات في كل مكان سواء سورية،  تونس أو مصر أو السودان أو الجزائر  .. إلخ

هذا يعني أن موقف الفنان من الثورة موقف شخصي ليس إلا؟

لا طبعا أنا لم أقل هذا، ولكن إن كان البشر عليهم واجب أخلاقي، ففي حالة الفنان يكون عليه واجب مزدوج، عليه أولا بشكل شخصي، وثانيا كمسؤولية عامة.

أظن الآن عليّ أن أسأل، من هي عزة البحرة ؟

أنا عزة نصر الدين البحرة، فنانة سورية، أشتغل كممثلة احترافية منذ ثلاثين عاما، ولدت في دمشق عام 1958، درست الصحافة، وعملت في بدايات حياتي كصحفية لمدة خمسة عشر عاما قبل أن أتجه للتمثيل.

من عائلة ثقافية، أبي كان الأديب نصر الدين البحرة، وأمي النحّاتة والفنانة التشكيلية عصام ميرزو، زوجي الفنان ثائر موسى، كما ان ابني سعد وابنتي سلوى يعملان في الفن أيضا.

شاركت في العديد من الأعمال الفنية الدرامية، وشاركت في أعمال سينمائية أبرزها فيلم ليالي ابن آوى، مع المخرج ومؤلف الفيلم عبداللطيف عبدالحميد، وبطولة أسعد فضة.

شاركت أنا وزوجي ثائر موسى في الثورة السورية من البداية من خلال شبكة المرأة السورية، دعمنا المتظاهرين ضد نظام بشار الأسد، وشاركنا في فعاليات الثورة الأولى عام 2011، قبل أن يتم إبلاغنا من قبل جهة أمنية بضرورة مغادرة البلاد، مع تهديدات في حالة عدم تنفيذ الأمر، وأجبرنا على الرحيل من سورية.

قبل خمسة سنوات تقريبا، أعلنتِ الخروج من المعارضة السورية، لماذا؟

نحن شاركنا في جانب المعارضة السورية.. أسسنا حركة “معا” من أجل سورية حرة ديمقراطية، ثم أسست الحركة مؤتمر “كلنا سوريون”، ولكن فيما بعد اتجهت دفة الأمور إلى وجهات غير التي نادت بها الثورة، وبدأنا نسمع عن مطالب مثل دولة خلافة إسلامية، وبعدها انتشرت الفصائل الإسلاموية المقاتلة.

حقيقة مشروعنا كان ضد التطرف، مشروعنا كان علماني، له علاقة بسورية حرة ديمقراطية، تعتمد مبدأ المواطنة، لم يكن مشروعنا دولة خلافة إسلامية، ولكن فقط دولة مواطنة تؤمن بالحريات، نحن ضد التطرف، وسورية لم يكن بها سلفية، لذا فقد وقفنا ضد أسلمة الثورة.

فيما بعد نتيجة اختراقات وقعت داخل الثورة السورية، تحرك العديد من المعارضين بأجندات خارجية، مما جعلنا نبتعد عن الثورة، لكن هذا ابتعاد عن المشاركة فقط، أما الثورة فباقية في أعماقنا وقلوبنا ومازلنا ضد النظام، ومعادين لكل شئ لا يؤمن بوحدة سورية وحريتها.

في مارس/ أذار عام 2013، أعطيتي تصريح لإحدى الصحف اللبنانية تقولين فيه أنّ “قوى المعارضة العلمانية هي خلاصنا”، هل مازال التصريح قائما؟

للأسف لم تقدم أي دولة ولا أي منظمة دعما حقيقيا للقوى العلمانية الوطنية السورية، ولا أي أحد، بينما قُدم كافة أنواع الدعم للفصائل الإسلاموية العسكرية، والتي كانت تقاتل على خطوط النار، خطوط النار هذه أعدت مسبقا لتكون خطوط تقسيم سورية.

هل تعرف أنه عندما اتحدث عن الفصائل الإسلامية، أنا لا أقصد المسلمين، المسلم حر في أفكاره، حر في عقيدته، لكن مشروعنا كان متبني قيمة فصل الدين عن الدولة، بمعنى أنه أنا كمسلم حر في ديني حر أروح على الجامع حر أصوم، تصلي تمارس كافة شعائر دينك، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا له علاقة بقوانين الدولة، وذلك لأن في دولة كسورية فيها العديد من الطوائف والأديان المتعددة، لذا لا يمكن أن يتداخل الدين بالسياسة.

لذا فالفكر العلماني، أنت تعطي حق لكل فرد داخل سوريا، أن يكون مواطنا سوريا أيا كانت ديانته وطائفته.. وعلى فكرة الدول العربية والعالم روجوا للعلمانية باعتبارها كفر، يعني سأقول لك، هؤلاء المشايخ والقنوات الفضائية يروجون لأفكار خاطئة عن الإسلام، ويستغلون حالة اللاوعي بين الشعب لنشر الجهالة وتجهيل المجتمع وهذه هي المصيبة، من يسمح لهؤلاء بالصعود على المنابر وعلى الفضائيات؟! هؤلاء تدعم أجهزة دول إقليمية ودولية، -أيضا هناك أصوات كانت تقول لنا أنتم تنادون بالعلمانية والنظام علماني، النظام الأسدي ليس علمانيا ولم يكن علمانيا أبدا، لا يوجد نظام علماني دستوره به مادة تقول الدين الإسلامي دين الدولة ويجب أن يكون الرئيس مسلما، الدولة يجب أن تكون على مسافة واحدة من كافة المذاهب والأطياف-.

نعود للمعارضة..

لقد أعطوا تعليمات بتهميش أي مواطن يتحدث لصالح الوطن السوري، همشوا كل مواطن ومعارض سوري نظيف وصار صعبا أن يُسمع، والذين تصدروا المشهد هم قلة تبنتهم دول تحركهم بتعليمات وتوجيهات وإملاءات، وبالطبع أجندات تلك الدول هي رعاية مصالحها وليس همها المصلحة الوطنية السورية،  بالتالي من تبنوهم آخر همهم كان المصلحة السورية، يعني أنا أتسائل، هؤلاء الذين يحضرون مؤتمر لإقرار دستور من أجل سوريا، كيف يمكنهم تمرير دستور والبلد غير مستقرة؟! المفترض يتم إقرار الدستور، عندما تكون سوريا مستقرة بدون حرب، بدون فصائل بدون تدخلات دولية.

.أما عنا نحن المعارضة التي تحمل أجندة مصالح سورية، كنا إذا أردنا أن نقوم بعمل مؤتمر من أجل حركة “معا من أجل سوريا حرة ديمقراطية”، لا نستطيع، كيف يمكن أن يتم عمل المؤتمر، لا يوجد الإمكانية لذلك ليس لدى أحد الأموال الكافية، فنضطر للتواصل عبر “اسكايب” وطبعا البرنامج محدود ويعطيك إمكانات محدودة، لم يكن هناك رأس مال يساعدك في أن تكون فاعلا، يعني شخص جوعان ولا يملك ثمن تذكرة قطار للانتقال من بلد لبلد كيف له أن يكون فاعلا!

نعود للحديث عن الفن.. على مدار ثمانية سنوات لم يكن هناك أي عمل فني يعبر عن الثورة.. لماذا؟

العمل الفني يتطلب أموالا ضخمة، كل الفنانين الذين خرجوا من سوريا لم يكن لديهم أموال لإنتاج عمل فني له علاقة بالثورة. لذا فالبديهي أننا نحتاج لشركات إنتاج لديها إمكانيات ورأس مال يساعد في إنتاج عمل جيد، ولكن هذا غير موجود لأن هذه الشركات بطبيعة الحال تريد الربح.

رأس المال دوما له حسابات الربح والخسارة فهو بعيد كل البعد عن الثورات، كما أن الفنان لا يمكن أن يكون لديه الإمكانية المادية لإنتاج عمل يعبر عن قيمه ومبادئه، هو بالكاد يملك قوته.

وحتى ولو كان في مبادرات ومحاولات، فالفنانين السوريين ليسوا في بلد واحد، هم مشتتون بين فرنسا والدنمارك وألمانيا وغيرها ليس هناك إمكانية لتجميعهم.

هذا طبعا زائد أن الدول العربية وقنواتها الفضائية رافضة بالمطلق شراء أو الترويج لأي عمل عن الثورة السورية، يعني إذا وجدنا التمويل فإننا لن نجد من يقوم بعرض تلك الأعمال.

سأقول لك مثالا، في شركة ميتافورا أنتجت عمل درامي هو مسلسل، (وجوه وأماكن) عام 2015، المسلسل قارب “شوي” للحديث عن الثورة، لذلك لم يتم التسويق له عربيا، لم تقبله أي محطة، ولم يعرض أو يروج له بالشكل المناسب.

هل هي مؤامرة؟ ممكن تقول هذا المعنى.. ولكن من الممكن أنهم لا يريدون.. أنا برأيي أن القنوات العربية ساهمت في نشر اللاوعي، بنمط الأعمال التي تقدمها، بتحديد مفاهيم معينة تملأ الأعمال، القنوات العربية تأخذ أعمال محتواها فارغ، حيث فيها ممثلات جميلات، ونصوص تافهة.

هذا يعني أن المشهد يتصدره أنصاف المواهب؟

بالطبع من يتصدر المشهد لديهم موهبة، ولكنها موهبة دون ثقافة ودون فكر ولا موقف أخلاقي أو إنساني، هناك فارق بين الموهبة والثقافة، هناك فنان لديه موهبة لديه وعي وثقافة ولديه قيمة، وهناك آخر فنان موهوب ولكن ليس لديه الثقافة الكافية لكي يقدم عملا متميزا، هم يؤيدون النظام من أجل مصالحهم.

ماذا عن “الفن” الآن داخل سوريا؟

ينتجون أعمال بعيدة تماما عن الواقع، ولكني لم أهتم بمتابعتها، طبعا لا يمكن التخيل بأن يشتغل ممثل في سورية في عمل يهاجم النظام. أعمال بعيدة عن حياة الناس وعن الوضع في سوريا، وأما التي تنتبه للوضع وتذكره يكون بلا أخلاق، فقط يروون ما يقوله النظام عن نفسه.

يعني مثلا الحلقة التي قامت بها أمل عرفة، تسوق لرواية النظام، نحن كفنانين سوريين حمّلنا أمل عرفة مسؤولية العمل لأنها هي نجمة العمل، لأنها البطلة، ولكن أيضا يتحمل مسؤوليته الشركة المنتجة والمخرج وكاتب السيناريو.

الجميع يتحمل مسؤولية كون الدماء السورية مسفوكة مجانا، ومعروضة للسخرية، السخرية من المآسي ومن الضحايا تحت الهدم.

وإذا كان النظام السوري يروج لنفسه ويحاول تلميع نفسه بشتى الطرق، ولكن الفنانين في سوريا، بل الجميع يعلم حقيقة هذا النظام. طبعا الفنان المقيم في سوريا لا يمكنه المشاركة في عمل ضد النظام، وإذا كان البعض يقول أنه يريد أن يتكسب رزقه، هذا من الممكن أن نبرر له عندما يشارك في أعمال معينة، غير تلك التي يُسخر فيها من دماء الأطفال ومن الضحايا، هؤلاء لا مبرر لهم.

خلال أعمال عزة البحرة السابقة، هل كانت القيم الثورية حاضرة حتى من قبل قيام الثورة؟

بالطبع هذه الأعمال أنتجت قبل الثورة بكثير، إلا أنني وبشكل شخصي لم أكن أقبل بأي عمل إلا إذا كان موافق للقيم التي أؤمن بها، لذلك فأنا شاركت في أعمال ليست كثيرة، ومجمل أعمالي ليس بالعدد الضخم، لأنه لم أكن لأقبل بالدور الذي ترفضه قيمي.

منذ الثورة وحتى اليوم هل شاركتي بأي عمل؟ وما هي خطط عزة البحرة للمقبل؟

شاركت في مسلسل وجوه وأماكن 2015، كما شاركت في أوريكيديا 2017 من تأليف عدنان العودة وإخراج حاتم علي، والآن أشارك في عمل سينمائي مع المخرجة التونسية كوثر هنية في فيلم اسمه الرجل الذي فقد ظهره، وتشارك فيه الممثلة الإيطالية مونيكا بيلوتشي.

ما هي الرواية التي لم يتم انتاجها كعمل من قبل، وتتمنى عزة البحرة المشاركة في عمله سواء لكتاب سوريين أو عرب؟ ولماذا؟

حقيقة هما روايتان للكاتب السوري ممدوح عزام، جهات الجنوب وأرض الكلام، أحب أن أؤدي دور إحدى النساء في الروايتين، هذا لأنها شخصيات تحكي عن الواقع السوري في وقت معين، شخصيات تحمل الواقع بكافة أبعاده، وتجسده كما أن الشخصيتين جاهزتين سينمائيا.

الفن قبل الثورة؟

الأعمال فيما قبل عام 2011 كانت تتجنب أي تعرض للنظام، إلا عدد من الفنانين المسموح لهم بذلك، بعض الفنانين كان يسمح لهم النظام بذلك مثل دريد لحام، وهذا ما كنا نسميه الدراما التنفيسية، هي تنفّس الضغط عن المواطن، وأيضا تقوم بدورها التلميعي للنظام باعتبار الوضع في سوريا ديمقراطي وهناك حرية رأي.

طبعا أقول عن بعض الأعمال، بعض الأعمال فقط،  كانت تؤدي هذا الدور من مجمل أعمال كثيرة.

من أين يأتي عمل فني وطني؟

يأتي من الفكر، من الحرية.

كلام في نفس عزة البحرة تحكيه عن الشعب السوري عن الثورة عن الفن؟

آه.. هذا كلام موجع صراحة، دائما بالحروب يكون هناك فرصة لمن ليس لديهم قيم أو أخلاق، أو من أساءوا إلى الشعب بالفساد أو بسلوكيات، ولكن الشعب السوري قوي وصمد تاريخيا، وإن شاء الله رغم كل ظروف التشرد والدمار، سنظل محافظين على قوتنا وصمودنا وسنظل نساهم ككتاب وفنانين وأدباء وأطباء ومهندسين في قيام سورية من أول وجديد، أنت تعرف أنه برغم كل الظروف التي يمر بها الشعب السوري يثبت وجوده بالعالم، في أمريكا كندا والسويد وألمانيا ومصر.. هذا الشعب لا يقهر، أتمنى أنه نقدر.. ما ترجع سوريا مثل قبل لأنه صعب جدا أن ترجع سوريا مثل من قبل، لكن نقدر نقول ترجع سوريا مثل ما بنخطط.. أنا دائما عندي ثقة أنه السوريين سيعيدون بناء سوريا من جديد.

 

موضوعات تهمك:

فدوى سليمان… نور الثورة في «العتمة المبهرة»

دريد لحام من غوار الطوشة إلى الماغوط إلى الدود

في عقل طيب تيزيني