المقاومة العربية مثالا قويا على تماسك الشخصية العربية

المقاومة العربية مثالا قويا على تماسك الشخصية العربية

 

المقال السابع من سلسلة مقالات (المقاومة مقاومتنا)، لمطالعة المقال الأول، المقال الثاني، المقال الثالث، المقال الرابع، المقال الخامس، المقال السادس.

مازالت الديناميات الغربية العالمية المستهدفة وخاصة فيما عرف بعصر العولمة وموجات الحداثة وما بعد الحداثة، تقوم بأدوار خطيرة فى تغريب المواطن وغربنة أنماط كثيرة من حياة المواطن بالإضافة إلى إقصاء العديد من الأنماط غير المادية التراثية وبما تتضمنه من المماراسات والتمثلات والتعابير والمعارف والمهارات المتوارثة من جيل إلى جيل وعبر ترابط الجماعات والأفراد.

وبما تضم اللغة بكل إحداثياتها من محادثة وأدب وبما تضم من الموسيقى والغناء والرقص الشعبى والاحتفالات والألعاب والأساطير والطقوس والعادات والممارسات والمهارات والمعارف المتوارثة للحرف التقليدية والهندسة المعمارية وفن الطبخ والعطارة ومنتاجاتها وطرق التخزين والطب التقليدى بالوصفات التقليدية المتوارثة والمهارات والخبرات اليدوية المتوارثة.

وما يمثل كل ذلك للإبداع الوطنى التاريخى المستمر والقائم والتى تعبر عن الهوية ووعى وضمير الوطن والمواطن العربى ومما أدى إلى فجوات ثقافية إلى درجة تهديد الهوية وقطع الاتصال والتواصل بين أجيال المجتمع العربى الواحد وإضعاف الروابط مع التراث ومع الوطن الذى يشكل هوية الوطن واستهداف ثقافة جديدة مغايرة لها تؤدى إلى الإضطراب الاجتماعى والصراع الثقافى ومما يؤدى إلى المساهمة فى تسييد آليات التفكيك والتفتيت المستهدفة وضرب الهوية الوطنية وموروثاتها الشعبية المقاومة باستهداف:

1 ــ إنهاء الاستمرارية التاريخية والتشكيك في الانتماء الوطنى
2 ــ القضاء على التجانس والتلاحم والانسجام بالوطنى في مختلف مستويات جغرافيا الوطن
3 ــ تحطيم الهوية والشخصية الوطنية التي تحافظ والكيان الوطنى وإصابتها بالجمود الكلى
4 ــ تسييد الثقافة الغربية بسلوكياتها التى تتنافى مع قيم وعادات وتقاليد وإيمانات الوطن وخلق التبعية الكلية للغرب والمصالحة

 

اقرأ/ي أيضا: الحقيقة الغائبة: مابين تناقضات التصريحات الإسرائيلية والحاخامات

 

الرأسمالية والأيديولوجية

إلا أن المقاومة العربية للغرب الإستعمارى وأعوانه وأدواته اصهيونية كما يتمثل فى المقاومة الفلسطينية والسورية والمستمرة ستظل رغم انخضاع الكثير من الأنظمة العربية لسياسات الغرب الاستعمارى،تؤكد كما يرى د. عبد الودود مكرم عن الشخصية المصرية كنموذج للمقاومة العربية فى مواجهة الغزو الاستعمارى عبر التاريخ حيث من ثوابتها:

– شموخ الإنسان المصرى وإرادته الطموحة فى العمل والإنجاز.

– أصالة قيم مصر فى استيعاب الوافد عليها وتمصيره،وإعادة تصديره بروح مصر.

– التمايز الفريد للغة الحوار بين الإنسان المصرى مع موقع مصر ومكانتها عبر التاريخ، وهى اللغة الحاكمة لقيم العطاء فى الذات المصرية.

– أن موقع مصر هو منحة من السماء لأهل الكنانة، لوجوب الوفاء بالأزمات ومسئوليات هى من خصوصيات تكوين الوجدان المصرى فى علاقاته بالدين والإنسانية.

– أن موقع مصر هو قيمة من الجغرافيا،كان عونا لمصر إذا تكامل مع موضعها ومكانتها، وكان عوانا عليها إذا ضعفت المكانة عن مهام الموقع،وما بين ” العون والعوان ” دروس مستفادة فى تربية الشخصية المصرية.

ومن “منطلق أن مصر كانت “أول أمة” فى التاريخ القديم – نمت فى نفسها عناصر الأمة بمعناها الكامل الصحيح، وبعدها كانت أول دولة تظهر على مسرح العالم القديم بالمعنى السياسى،ولم يمض قليل حتى كانت أعظم قوة سياسية فيه،كانت أول إمبراطورية فى التاريخ حققت لنفسها نطاقا ممتدا من السيطرة والنفوذ.

ــ أن ” القيمة من الموقع – والقوة من الموضع ” هما طرفى معادلة شخصية مصر: موقع خطير يتطلب لتحقيقه وضمانه موضعا غنيا كفئا،فإذا ما اجتمعا طفرت مصر كقوة إقليمية كبرى،أما إذا قصر الثانى عن الأول /أو دون متطلباته، وقعت مصر فريسة للقوى المعادية،وبمعنى آخر : أن مكانتنا هى محصلة مكاننا وإمكانياتنا على حد سواء.

ــ أن أصالة التاريخ المصرى تتجلى فى كثير من مؤشرات السبق الحضارى فى كثير من المجالات، وهناك كثير من الشواهد والأدلة التى تؤكد صدق المعنى: “مصر أم الحضارات ــ أول حضارة صنعها الإنسان”.

ــ أنه من عجائب القدر الذى تشرف به مصر ويشرف بمصر، أن تكون “بيت العرب الأول” ورائدة التنمية ومفتاح الحركة العربية فى تفاعلاتها مع المتغيرات العالمية ، الأمر الذى يلقى على مصر مسئوليات مضاعفة فى صناعة القرار العربى.

وليس دور زعامة مصر إلا ممارسة متواضعة صامتة،وهو بهذا المعنى لا يمكن أن يكون تشريفا أو تخليدا،بل هو تكليف وتقليد،تكليف من الجغرافيا وتقليد من التاريخ” (3)

 

اقرأ/ي أيضا: لماذا يخاف المستبدون؟

وتتصاعد المقاومة الشعبية منذ بدايات التاريخ الأولى ضد الغزو الاستعمارى فعند فشل الدولة ودخولها فى عصور الضعف والفوضوى وتزايد االفساد وكما شهد عصر الدولة الفرعونية الوسطى وفى عصر الأسرة الثانية عشر حيث كثر تطلع كبار الموظفين وقواد الجيش وكل ذى سطوة إلى عرش البلاد سواء عن طريق القتل أو بالمؤامرات والدسائس.

مما أدى إلى إندلاع الثورات وتتابع الحروب الأهلية فاضطرب الأمن واختل النظام،وساد الفساد مما أسفر عن زيادة أطماع أعداء البلاد من الخارج وأدى إضطراب الأحوال والتفكك والضعف وإنفصال الشمال عن الجنوب إلى أن تجرأت قبائل السلب والنهب الأسيوية على غزو البلاد فوقعت فى يد الهكسوس إلى أن تمكن ملوك الأسرة السابعة عشر من طردهم.

لكن ورغم كل ذلك لم يفلح الهكسوس رغم محاولاتهم التقرب إلى المصريين بتبنى عاداتهم .. كما حاولوا الحكم مثل الملوك المصريين القدامى .. واتخذوا لأنفسهم اللقب الرسمى لملوك مصر..، بل أنهم اتبعوا التقاليد والديانة واللغة المصرية، وحاولوا استمرار الفن القومى والبناء والتشييد،ورغم ذلك لم يتركوا أية آثار ذات قيمة تدل على حكمهم بإستثناء القلعة التى بنوها لتكون عاصمة لهم فى “أواريس” (صان الحجر- محافظة الشرقية).

فقد ظل المصريون ينظرون إلى الهكسوس نظرة الكراهية والإحتقار ولم يستطع الهكسوس القضاء على الروح الوطنية فى البلاد، وتوحد القوى الوطنية فى البلاد تحت قيادة الأسرة السابعة عشر والتى أخذت على عاتقها تحرير البلاد من السيطرة والإحتلال الأجنبى فتسلحوا بالشجاعة والمهارات العسكرية ضد المستعمر الأجنبى حتى أحرز أحمس النصر النهائى، وطرد الهكسوس وطاردهم حتى سوريا سنة 1580 ق.م.

وفى مواجهة المغول عندما نودى فى سائر قرى ومُدن مصــر بالنفيــر العام وإعلان الحرب رصد المؤرخون أن معدلات الجريمة والسرقة انخفضت إلى أدنى مستوياتها، لتدفق المصــريين للإنضمــام إلى الجيش ..خرج جيش مصــر – مؤلفاً من قادة المماليك، والعساكر المصــريين، وبعض الفرق العسكرية من الشام والعراق – إلى غزة لملاقاة مقدمة جيش المغــول،فهزموهم في معركة محدودة .. ثم تقدموا إلى عمق الشـام، ودارت المعركة العسكــرية التاريخية في (عين جالــوت)، التي خلّدها التاريــخ العربي والإسلامي بإعتبارها من أعظم المعارك التي دارت في هذه المنطقة على الإطلاق ..، ولحقت بهم الهزيمة عن بكــرة أبيهم كما يقول المؤرخ الفارسي (رشيد الدين الهمذاني) مؤرخ فترة المغول،واصفاً المعركة: فقذف المغول سهامهم وحملوا على المصريين، فتراجع المصـريّون القهقــريّ ، ولحقت بهم مابدا أنها الهزيمة .. فتشجع المغول.

 

اقرأ/ي أيضا: خطاب مفتوح إلى الرئيس عمر البشير

وأعقبوهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً،حتى بلغوا الكمين ، فأغار المصـريّون على جنود المغــول وقاتلوهم قتــالاً مُستميتاً من الفجر حتى منتصف النهار .. فتعذرت المقاومة على جيش المغول،وخارت قواهم،ولحقت بهم الهزيمة عن بكــرة أبيهم..”يجمع المؤرخون كافة أن( عين جالوت)هي بداية النهــاية لإمبــراطورية المغــول كلهــا،وبدأ على إثــرها الإنسـحــاب التاريخي لجيوشهم الجرارة ، ليس فقــط من الشرق العربي،بل من شرق أوروبا كذلك،الذي كانت جيوش المغــول قد وصــلت إلى المجــر وعلى وشك تجــاوزها لوسط أوروبا،وهكذا تمثل المقاومة العربية مثالا قويا على تماسك الشخصية العربية منذ بدايات التاريخ قى مواجهة العدوان والغزو الإستعمارى والتعدى على خصوصياتها .

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.