الغائب فى تصريحات بومبيو: ترامب هدية من الرب

الغائب فى تصريحات بومبيو: ترامب هدية من الرب

 لعل الغائب فى هذه القضية أو المسكوت عنه هو الوصول إلى طبيعة البنى الكامنة والعميقة للعقلية الصهيونية الإسرائيلية ، تلك البنى التى تقف حاضرة بخصائصها الدينامية وراء التصرفات الإجرامية الصهيونية ولا تنفك عن الإنتاجية بكونها طاقة فاعلة وأداة تتجذر فيها لاهوت التفوق العنصرى بدعم الأصولية العنصرية الغربية، هذا المنهج وهذا الحلم الذى يراود هذه العقلية ليحقق بها وفيها وحشيته الموروثة ضمن مشروع كبير معادى للإنسانية لا يضع للقيم الإنسانية ولا لحق الآخرين فى الحياة أدنى اعتبار، لأن وجودهم مجرد وجودهم نفى له.

تلك الميتافيزيقا اللاهوتية العنصرية  التى يتجذر حولها النظام العالمى الجديد وخاصة الغرب الأمريكى، وصحيح أن الدستور الأمريكي كما يورد فوريو كولومبو الباحث والسياسي الإيطالي المتخصص فى دراسة الظواهر الدينية الغربية فى كتابه الجديد الصادر هذا العام 2019 ” إله أمريكا.. الدين والسياسة فى الولايات المتحدة ” قد أرسى فصلا صريحا بين الكنيسة والدولة لكن الأمر ليس كذلك بهذه القوة بين الدين والسياسة بل أن الواقع الأمريكى وسياساته الخارجية ينفى بقوة هذا الفصل وكما يتبدى فى الشعارات التى تعلن عن قوتها بالمجتمع الأمريكى مثل “الرب يبارك أمريكا”و”في الله نثق” و”المسيح هو الحل” (سبق أن بينا في مقال: خفايا الحملة الصليببية لترامب).

وكما يذكر الباحث السياسى الأمريكى آلن وودز تاريخية وتأصل هذا اللاهوت العنصرى بأنه فى عام 1095 حرض البابا أوربان الثاني الآلاف من الناس بالتخلي عن كل شيء والذهاب إلى القدس لتحريرها من السلاجقة بالمقابل ووعدوا بالغفران في الحياة الاخرى فاستجابت جموع العامة من الناس للنداء و تهافتت على رايات الحرب الصليبية الأولى ملهمة برؤيا القدس الجديدة وتردد نداء المعركة فى كل قرية وساحة مدينة: “بمشيئة الرب”وأثارت الكنيسة التعصب الديني بادعائها أن الأماكن المقدسة في خطر وهكذا كما ذهب الصليبيون إلى الأرض المقدسة رافعين راية الصليب ذهب جورج بوش الأصولى الأمريكى إلى تدمير العراق معلنا أنها حرب صليبية بذات العنصرية البربرية التى مارسها الغرب فى العصور الوسطى، كما يرى الباحث الإيطالى أنه ليست الكنائس هى التي اجتاحت السياسة، بل السياسة هي التي اجتاحت الكنائس، ووصولا إلى سيطرة التوجهات الأصولية الغربية بمدلولاتها التوراتية الحرفية ومن خلال حملات صليبية ضد الآخر التى يتبناها اليمين المسيحى الأصولى الغربى المحافظ والذى يؤسس للكيان الصهيونى.

وكما يعلن فرانسيس نيجل أحد القادة الأصوليين في “المانيفستو المسيحي” الصادر سنة 1984 “ينبغي أن تكون إسرائيل حصن الغرب، بل النقطة المتقدمة للمسيحية، ومهمتنا تتمثل في الدفاع عنها ورسالتنا تتجلى في أنْجَلتها، ولإضفاء الطابع المسيحي على إسرائيل يكفي أن نجلب إلى صفوفنا الصفوة المالية لليهودية ويهود أمريكا”، ومن جانب آخر قال ماك أتير الكاثوليكي المنتمى للحركة الأصولية في ديسمبر1986: “إن استعمال الأسلحة النووية هو من ضمن مخطط الرب والحرب النووية يمكن أن تكون التحقيق للنبوة التوراتية.

ومن هذا المنطلق اللاهوتى الأصولى كانت التصرفات العنصرية للرئيس الأمريكى ترامب من زيارته كأول رئيس أمريكي يقوم بزيارة الحائط الغربي في الثانى والعشرين من مايو عام 2017وتعبيره قائلا بعد ساعات عن زيارته بــ “الكلمات لا يمكنها وصف التجربة وأن زيارته هذه: “سوف تترك انطباعا عليّ إلى الأبد” ومن ثم إعترافه بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى ولينقل سفارته الأمريكية إليها فى الرابع عشر مايو 2018 وليمتد الاعتراف إلى ممارسات لاهوتية صهيوينة مثلما قام فى ديسمبر 2018 السفير الأمريكي ديفيد فريدمان بمراسم إضاءة شموع بمناسبة عيد الحانوكاه في الموقع وبحضور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إحتفالا بالذكرى السنوية بإعلان ترامب للقدس عاصمة، ومن قبلهم قام بهذه الزيارة رؤساء أمريكا جورج بوش الأب وجورج بوش الابن وبيل كلينتون وباراك أوباما.

وبعدها  يكرر ديفيد فريدمان زيارته مع مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون بزيارة إلى الحائط الغربي وإلى جولة في الأنفاق ومركز الزوار بالقرب من الموقع المقدس خلال فترة وجوده ومع نظيره الإسرائيلي، ومئير بن شبات كبير مستشاري نتنياهو للشؤون الخارجية رؤوفين عزار وسفير إسرائيل لدى واشنطن رون ديرمر، وهكذا زار الأمير وليام دوق كامبريدج هو الإبن الأول للأمير تشارلز أمير ويلز فى 28 يونيو 2018 الحائط الغربى بالقدس، وليقوم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بجولة المكان ويقومون معا بالإجراءات والممارسات الدينية الصهيونية بلمس حجارة الحائط الغربي بالقدس القديمة فى الحادى والعشرين من مارس 2019.

وليعلن فى اليوم التالى من زيارته فى مقابلة مع شبكة الإذاعة المسيحية خلال زيارته هذه أن “الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يكون هدية من الرب لإنقاذ اليهود من إيران”ومضيفا “إن إيمانه يجعله يصدق ذلك”، وردا على أبلاغ مذيعة البرنامج له أن اليوم يصادف “عيد البوريم، بالعبرية وهو ذكرى إنقاذ الملكة إيستر الشعب اليهودي من الإمبراطورية الفارسية” وسؤاله: إذا ما كان يعتقد أن ترامب قد يكون أُرسل كما أُرسلت الملكة إيستر لإنقاذ اليهود أجاب قائلا: “كمسيحي، بالتأكيد أعتقد أن ذلك ممكن” مضيفا: “أعتقد أن الرب يعمل هنا”.

وليأتى اعتراف ترامب بالسيادة الصهيونية على أرض الجولان العربية بأنها أرض للكيان الصهيونى وبأنها منطقة “خاضعة لسيطرة إسرائيل” وليست “محتلة من قِبل إسرائيل” وليصف نيتانياهو إعلان ترامب بأنه معجزة بوريم نسبة إلى العطلة اليهودية التي احتفلت بها الكيان الصهيونى في اليوم ذاته والتي توافق ذكرى انتصار اليهود على الفرس قبل 2500 عام كما يدعون فى أكاذيبهم اللاهوتية.

موضوعات تهمك:

في فهم ترامب وسياساته وتأثيراتها وآخرها الجولان

محاكم التفتيش الحديثة

 سياسية أمريكا الخارجية.. نموذج متكامل لفشل متكرر

التصرفات الإجرامية الصهيونية تجسيدا للإله

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.