التحذير من أزمة اقتصادية عالمية طاحنة!

التحذير من أزمة اقتصادية عالمية طاحنة في 2020

  • هل تحدث أزمة اقتصادية تضرب العالم بحلول 2020 وكساد كبير وبطالة وتضخم أسعار.. تبدأ بأمريكا وتعم العالم؟!
  • لا منطق اقتصاديا في القول إنه ستحصل أزمة تؤدي لكساد كبير وبطالة وارتفاع فاحش بالأسعار.
  • ارتفاع أسعار الفائدة وتراكم الديون يحذر منه المعنيون بأمريكا ويتوقعون أزمة مالية وركودا اقتصاديا في 2019 أو 2020.
  • لا مؤشر لاحتمال حصول كساد في 2020 بسبب ارتفاع أسعار النفط لأنَّ المعنيين يهتمون بزيادة استثمارات النفط لمنع شح النفط.

 

بقلم: ذكاء مخلص الخالدي

صرح مدير أحد مراكز البحث والاستشارات المهمة والمتعددة الاختصاصات في إحدى الدول العربية لإحدى الصحف البحرينية، في الجزء الأخير من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أن:

«أزمة اقتصادية (وليست مالية) ستضرب العالم بحلول 2020، وستأكل الأخضر واليابس وتؤدي إلى كساد كبير وبطالة وارتفاع فاحش بالأسعار. وستبدأ في الولايات المتحدة وتقضي على كل اقتصادات العالم.

وستكون أسباب حصولها تحول أميركا إلى دولة مستوردة للنفط بعد استهلاك معظم إمكاناتها، وبالتالي ستفرض شروطها على الأسواق بحكم قوتها العسكرية للهبوط بالأسعار.

وهناك أسباب أخرى للأزمة مثل ارتفاع أسعار الفائدة وتأثيرها على الأسواق المالية والحرب التجارية التي تقودها واشنطن ضد العالم وفي مقدمتها الصين».

وأضاف إنَّ بعض مراكز البحث تعتقد أنَّ واشنطن قد تعلن حرباً عسكرية على الصين عندما تقع الأزمة بينهما.

لا يبدو هذا التصريح منطقياً، لكنه – بلا شك – يثير المخاوف. فعلاً هناك تحذيرات واسعة النطاق وتخوف من حصول أزمة مالية جديدة تؤدي إلى ركود اقتصادي قد يكون أسوأ من ذلك الذي حصل في 2008.

سببها تراكم الديون على القطاعين الخاص والحكومي في البلدان المتقدمة والاقتصادات الناشئة في حين ترتفع أسعار الفائدة بالولايات المتحدة ودول أخرى، ما قد يؤدي إلى عجز الحكومات والقطاع الخاص عن إعادة تسديد ديونهم، خصوصاً إذا استمرت أسعار الفائدة في الارتفاع.

لكن لم تتحدث أي من هذه المصادر عن احتمال حصول أزمة اقتصادية طاحنة كما هو مطروح في التصريح أعلاه.

أود التعليق على ما ورد أعلاه من ناحيتين:

الأولى: إنَّ القول إنَّ الأزمة ستؤدي إلى كساد كبير وبطالة عالية وارتفاع فاحش بالأسعار كلام غير مقبول اقتصادياً. فالكساد يحصل عندما يقل الطلب عن العرض أي يكون هناك وفرة في العرض وقلة في الطلب سببها عجز الطلب الداخلي أو الطلب الخارجي (الصادرات) عن امتصاص المعروض من السلع.

ويأتي عجز الطلب الداخلي عادةً من عدم ارتفاع معدلات الأجور بشكل يتناسب مع ارتفاع معدلات الإنتاجية و/أو تسريح للعمال سببه زيادة الاعتماد على المكننة. كما تؤدي الحروب التجارية بين الدول وتشكيل زيادة في الحواجز الجمركية وغير الجمركية إلى تراكم المعروض من السلع، وكان هذان العاملان من الأسباب الرئيسة للكساد الكبير الذي حصل في 1929.

عادةً عندما ينخفض حجم الطلب عن حجم العرض وتزداد البطالة تنخفض الأسعار بدلاً من أنْ ترتفع، فالبطالة لا تجتمع مع ارتفاع الأسعار إلا في حالات خاصة لا تتوافر هنا.

لذلك ليس هناك منطق اقتصادي من القول أنه ستحصل أزمة تؤدي إلى كساد كبير وبطالة وارتفاع فاحش بالأسعار لأنَّ الركود أو الكساد عادةً يلازمه انخفاض في الأسعار، وليس ارتفاع.

الملاحظة الثانية: القول إنَّ السبب الرئيس للأزمة سيكون تحول أميركا إلى دولة مستوردة للنفط بعد استهلاك معظم إمكاناتها، وبالتالي ستفرض شروطها على الأسواق بحكم قوتها العسكرية للهبوط بالأسعار.

وتوقعه أنْ يصل سعر برميل النفط إلى 150 دولاراً، استند على التصريحات التي صدرت من عدد من المؤسسات والشخصيات ذات العلاقة المباشرة في قضايا النفط تحذر فيها من مخاطر حصول شح في عرض النفط في السنوات القليلة المقبلة.

ففي كانون الثاني (يناير) 2017 حذر وزير النفط السعودي المهندس خالد الفالح من أنَّ تدفق الاستثمارات إلى الصناعة النفطية انخفض كثيراً في السنتين أو الثلاث الماضية بعد انخفاض كبير في أسعار النفط العالمية عام 2014 نتيجة بدء الولايات المتحدة باستغلال النفط الصخري.

وإذا استمر تدفق الاستثمارات على المنحى نفسه في السنوات القليلة المقبلة، سيكون هناك شح في عرض النفط في 2030. وأضاف أنَّ الطلب على النفط يرتفع ما بين 1.2 و1.5 مليون برميل سنوياً، وما بين هذه الزيادة في الطلب والانخفاض الطبيعي في الإنتاج، يحتاج السوق إلى ملايين البراميل الإضافية والتي يحتاج إنتاجها إلى استثمارات هائلة.

وبعد شهرين من هذا التصريح أي في آذار (مارس) 2017 أصدرت وكالة الطاقة الدولية تقريرها لعام 2017 والخاص بتحليل سوق النفط ومستقبله حذرت فيه من هبوط تدفق الاستثمار الدولي في الصناعة النفطية في عامي 2015 و2016. وهذا وحده يشكل خطورة على مستقبل عرض النفط كما لم يكن حجم الاستثمار مشجعاً في 2017.

وذكر التقرير أنَّ العرض ينمو الآن في أميركا وكندا ودول أخرى في العالم، ولكن الإنتاج قد ينخفض في 2020 إذا لم يعاود الاستثمار في صناعة إنتاج النفط ارتفاعه من الآن.

وإذا استمر المنحى الحالي لحجم الاستثمار، فإنَّ قدرة الإنتاج الاحتياط ستنخفض في 2022 إلى أقل مستوى لها منذ 2008 (أي عندما وصلت أسعار النفط إلى 150 دولاراً تقريباً للبرميل).

وأضافت وكالة الطاقة الدولية أنها لا تتوقع أنْ تحتل السيارات الكهربائية موقعاً كبيراً في قطاع النقل بحلول 2022، كما لا ترى انخفاضاً في الطلب على النفط في أي وقت في المستقبل القريب.

وذكر أحد خبراء النفط أنَّ هبوط الاستثمارات بهذا القطاع بمقدار تريليوني دولار في السنوات القليلة الماضية سيرفع سعر النفط في 2020، لكن إذا حصلت زيادة في الاستثمار من الآن فسيكون الارتفاع في الأسعار معتدلاً.

من هنا يبدو أنه لا توجد مؤشرات حالية إلى احتمال حصول كساد كبير في 2020 بسبب ارتفاع أسعار النفط لأنَّ الأطراف المعنية بدأت تهتم من الآن بضرورة زيادة الاستثمار للحيلولة من دون حصول شح كبير في عرض النفط في المستقبل.

أما الارتفاع في أسعار الفائدة بينما تتراكم الديون الحكومية والخاصة، فهذا ما يحذر منه المعنيون خصوصاً بالولايات المتحدة منذ فترة ويتوقعون أزمة مالية وركود اقتصادي خلال 2019، أو على الأكثر في 2020.

أما احتمال أنْ تشن الولايات المتحدة حرباً على الصين أو على أي من خصومها التجاريين والكوارث التي ستنتج من هذا الحرب، بهذا يحتمل أنْ يحصل في أي وقت، لكن يأمل العالم أنْ يتمكن العقلاء في الولايات المتحدة من منع كارثة كهذه.

* ذكاء مخلص الخالدي كاتبة وباحثة في الشؤون الاقتصادية

 

المصدر: الحياة

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.