الإستقلالية عند المراهق

الإستقلالية عند المراهق

المراهق يستطيع أن يتخيل كيف يمكن لأي شيء أمامه أن يكون على غير الحال التي هو عليها، إذ يمكنه مثلاً أن يتخيل الأشكال الأخرى التي يمكن لمنزله أن يأخذها، أو التي يمكن أن يُعاد ترتيب الأثاث في منزله بحسبها.

صحيح أن الطفل المُمَيِّز يستطيع فهم، وتخيل الاحتمالات التي يبينها له الكبار، ويحدثوه عن إمكان حدوثها، لكنه عاجز عن أن يقوم هو باستنتاج هذه الاحتمالات كلها وحده، وإن كان يمكن له من خلال التجربة أن يهتدي لبعضها.

فعلى سبيل المثال: لو أننا طلبنا منه أن يعطينا الأرقام التي يمكن تشكيلها من الأعداد (3،7،9) مثلاً، فإن الطفل المُمَيِّز قد يتمكن من إعطاء بعض الاحتمالات من خلال التجريب، لكن المراهق يستطيع حصر جميع الاحتمالات الممكنة، إذ يستنتجها بطريقة منهجية فيبدأ بأخذ كل عدد على حدة، ويكون الأرقام (3) و (7) و (9)، ثم يأخذ كل عددين مجتمعين، ويكون الأرقام (73) (37) (93) (39) (79) (97)، ثم يأخذ الأعداد الثلاثة مجتمعة، ويكون الأرقام (973) (793) (937) (397) (379) (739).

إن قدرة المراهق البالغ على إدراك المفاهيم المجردة، وقدرته على إدراك الاحتمالات الممكنة غير القائمة في الواقع، تمكنانه من إدراك (الأمثل) من كل شيء بحسب علمه ومعرفته، فهو يتخيل مثلاً كيف يمكن أن تكون الأسرة المثلى، وكيف يمكن أن يكون المجتمع الأمثل، أو نظام الحكم الأمثل، والمقصود بالأمثل: أي المثالي الخالي من العيوب.

وهذه القدرة على إدراك الأمثل من كل شيء تجعل المراهق البالغ قادراً، وميالاً إلى نقد ما يراه في الواقع؛ الذي يكون دون المستوى المثالي عادة، فيصبح المراهق قادر على رؤية العيوب فيما حوله، وفيمن حوله، وبخاصة في الكبار كوالديه ومعلميه، ممن لم يكن يخطر بباله يوماً أن ينتقدهم، أو أن يقارنهم بغيرهم (كوالدي أصدقائه مثلاً) اللهم مقارنة سطحية وعلى مستوى مادي بحت (طولهم، وزنهم، قوتهم، العضلية، لون بشرتهم).
أما المراهق فإنه يقارن، ويحلم بالأحسن والأمثل في كل شيء بما في ذلك والديه.

إن نمو قدرة المراهق على رؤية عيوب والديه، وعلى تخيل كيف لهما أن يكونا أحسن، وأقرب إلى المثالية، بالإضافة إلى ثقته بنفسه، وإحساسه بذاته، الشيء الذي ينتج عن إدراكه لنمو قدراته العقلية، كل ذلك يجعله لا يتقبل من الكبار تقبلاً لا نقد فيه، كما كان يفعل عندما كان طفلاً مميزاً في المدرسة الابتدائية، إنه الآن يريد أن يفكر لنفسه، وأن يقرر لنفسه، وأن يكون له رأيه الخاص، وقناعته الخاصة التي يصل إليها بتفكيره، ومحاكمته للأمور.

وهذا يولد لديه نزعة استقلالية قوية في المجال الفكري، ومجال اتخاذ القرارات، وتكوين القناعات، تشبه نزعات الطفل للاستقلالية في السنتين الثانية والثالثة من العمر. حيث ينزع إلى الاستقلالية في مجال الإرادات، والأفعال التي يصر على أن يقوم بها بنفسه، فهو يريد أن يأكل بنفسه، وأن يلبس بنفسه، وأن يفتح الباب بنفسه، وأن يُشغل لعبته بنفسه . . .

لقد اكتشف أنه صاراً ماهراً، وقادراً على فعل هذه الأشياء، واكتشف أيضاً أن له إرادة خاصة به يجب أن يمارسها، وهكذا حال المراهق الذي يكتشف أنه صار قادراً على فهم جميع ما يفهمه الكبار، وعلى التفكير مثلهم، فهو ينزع إلى الاستقلالية الفكرية، إضافة إلى الاستقلالية في الإرادة، والفعل، كما ينزع إلى الحرص على التفكير لنفسه، فتنشأ لديه أنفةٌ من الاتباعية والتسليم للكبار، كما كان قبل البلوغ (في المدرسة الابتدائية).

إن هذه النزعة القوية إلى الاستقلالية، وهذا النفور من الاتباع للآباء، والأمهات في مجال الفكر والاعتقاد، يولدان لديه دافعاً نفسياً قوياً لأن يختار لنفسه العقائد، والأفكار، والاتجاهات السياسية، والفلسفية، والدينية،… إنها تحرره من تقليد الآباء والأمهات، وتجعل اتخاذه لقراره النابع من نفسه مطلباً لا يتنازل عنه، وذلك كي يشعر بكيانه الخاص، وشخصيته، وذاتيته.

إن المراهقة تمثل مرحلة تحرر من الآبائية؛ التي يتعذر بها المشركون الرافضون للهداية الربانية: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ{22} وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ{23} قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} {الزخرف:22-24}

لذا كان المراهقون والمراهقات خير من تُوَجَّه إليهم الدعوات الجديدة، وقد فطن الماركسيون قديماً لذلك واستغلوه في نشر دعوتهم.

وقدرة المراهق على إدراك المفاهيم المجردة، والاحتمالات المثلى من كل شيء، ونزعته إلى الاستقلالية العقلية (في مجال الفكر والاعتقاد) تجعله يختار ما يؤمن به من عقائد دينية، ويختار ما يؤمن به من قيم خُلُقية، وبالتالي تصبح المثل، والقيم جزءاً مما يفكر به، وهذا يؤدي إلى نضج خُلُقي لديه، حيث ينتقل من مرحلة الالتزام الخُلُقي المدفوع بالخوف من استنكار الآخرين لأي فعل يقوم به، وبالخوف من غضبهم منه، وعقوبتهم له، إلى مرحلة الالتزام الخلقي القائم على الإيمان بالمثل، والمبادئ، والقيم الأخلاقية، حيث يؤمن هو بها، ويحاول أن يحيا وفقها.

ويقول علماء النفس: إن المراهق يكون بذلك قد جَوّن القيم والمثل، أي: جعلها جُوّانية بالنسبة له (Internalized) وبذلك صار ضميره ذاتياً، وداخلياً، بعد أن كان ضميره خارجياً، قائماً على الخوف من العقوبة، والخوف من استنكار الآخرين، وهي عوامل خارجية بالنسبة له، بخلاف القناعة الذاتية، والإيمان، التي هي عوامل داخلية جوانية.

موضوعات تهمك:

كنز من المعلومات في قسم بنون حول تربية الاطفال والمراهقين، بقلم المفكر الاسلامي استشاري الطب النفسي الدكتور محمد كمال شريفة ننصح كل أب وكل أم ان يطلعوا عليه الرابط هنا

لا تحب أبناءك بهذه الطريقة!

الحب بين الآباء والأبناء .. ما هو؟

كيف نجعل أبناءنا كما نحب أن يكونوا؟

 

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.