أحمد والحاج أحمد

أحمد والحاج أحمد

عاد إلى بيته بثيابه ناصعة البياض .. تعلوه المهابة ويغشاه الجلال .. يحمل مسبحته الألفية التي باتت في يده كأحد أصابعه .. يمشي بهدوء .. صوته خفيض .. ونظره خاشع .. وروائح المسك الأبيض تفوح من ثنايا جسده كنسائم الحقول.

واستقبلته وفود الأهل والأقارب بترحاب فائق .. وعناق حار .. وهم يهنئونه : حج مبرور وسعي مشكور .. ورد عليهم التحايا بابتسامات معسولة .. وكلمات منتقاه من قاموس الرقة والذوق الرفيع.

وأخذ كل منهم نصيبه من هدايا الحرمين الشريفين .. ممهورة بشعار صنع في الصين .. واستاذن الحضور لأمر تذكره فجأة  .. فانسحب من بينهم كشمس المغيب بعد أن اسقطهم في بئر الفضول والتكهنات .. وتعددت الآراء مابين قائل: إنه ذاهب للوفاء بنذر .. وزاعم أنه لزيارة قبر والديه متجه .. وعلا صوت أحدهم بعدما أزاح كأس العصير من على فمه قائلا :  نور على نور والله ياحاج.

ووصل صاحبنا إلى حيث لم يتوقع أحد .. فقد قادته قدماه إلى محل بقالة اعتاد التردد عليه .. وبعدما صافح صاحبه بحرارة .. وهنأه البقال على سلامة الوصول .. ودعا له بحج مبرور وذنب مغفور  .. طلب منه كشف حساب مديونياته المتأخرة عليه .. وسر البقال سرور متسول عطف عليه سائح بمئة دولار .. وهرع إلى دفتر الحسابات .. تاركا وراءه نداءات زبون لحوح .. فسداد دين بمئات الجنيهات أولى من بيع قطعة جبن وبعض الخبز.

وقدم له كشف حسابه .. وهو يفرك يديه استعدادا لملء جيوبه بسداد دين تاخر لشهور .. وانكفأ الرجل يراجع الحسابات بدقة وتمعن تفوق شامبليون حين فك رموز حجر رشيد  .. ووجد على رأس الورقة اسمه مكتوبا فوقها الأستاذ أحمد .. فاخرج من جيبه – وعين البائع مصلوبة عليه – قلما ومحا كلمة استاذ أحمد ليستبدلها بكلمة الحاج أحمد .. وولاه ظهره ..  وانصر!

طرفة قديمة .. لكنها تعبر وبحق عن واقع مر نعيشه كمجتمع يعاني انفصاما في شخصيته .. مفرقا بغباء بين العبادات والمعاملات.. معتقدا أن الدين مجرد ركعات .. وتمتمات ذكر بطرف لسان مبتور الصلة بالقلب والعقل .. وتباه بعدد لا متناه من العمرات .. وعجول وكباش تتناثر دماؤها على عتبة مصنع او منزل درءا لعين حسود .. وجلبا للبركات ..  متجاهلين أن العبادات هي قلب الدين .. والمعاملات هي رأسه الشريف .. وحاشا لجسد لايحمل بين كتفيه شئ أن يعيش .. فصلاة عامل في مصنع يتقن عمله بضمير .. عفوف النفس عما في أيدي الناس .. ولا يدخر جهدا في تقديم يد العون للغير .. خير الف مرة من حجة وعمرة لمراب جشع .. وتاجر محتكر .. وآكل حق أيتام صغار .. ونصاب مختلس .. وتاجر دين لايحمل من كنز الإسلام  سوى قشور لقب { الحاج فلان }.

موضوعات تهمك:

الثقافة العربية في طريق الموت والهاوية

القضية الأخلاقية في الخطاب الثقافي العربي

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.