أبو الهول أسد فرعون الحجري و ضاحية المجد حجارة الأسدالسوري

كما رغب الفراعنة بتخليد أنفسهم من خلال الأهرامات وأبو الهول .. أراد الأسد أن يخلّد نفسه فخط اسمه على الأرض في شكل مدينة سكنية

لم يكتف حافظ الأسد بسيطرته على كرسي الرئاسة في سورية بانقلاب عسكري، ولا بوصف سورية بأنها سورية الأسد، ولم يلبّي استيلائه على كل مقاليد الحكم والتحكم بكل مفاصل السلطة جنون العظمة والنقص الذي كان يعاني منه نتيجة عمله وعمل أسرته مقابل رغيف الخبز عند عائلات القرداحة “آل إسماعيل”، بل أراد أن يكرّس الشعار الذي أطلقه وفرضه على الشعب السوري “قائدنا إلى الأبد حافظ الأسد” بشكل لا يمكن نسيانه، بتخطيطه على الأرض السورية بالحجارة والإسمنت بحيث يمكن رؤيته من السماء لمئات الأعوام إن لم يتم إزالته.

إرادته هذه تعود لثقته المطلقة بأن الأجيال السورية القادمة سوف تزيل كل آثاره، وتمحوه من ذاكرتها، ولن يذكره الشعب السوري إلا كمجرم قتله وهدم مدنه وسرق ثروته.

في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، طالب بعض قادة القطع العسكرية “وخاصة العماد توفيق جلول قائد الفرقة “11” دبابات الذي كان مقربا من حافظ الأسد” ببناء مدينة سكنية خاصة بالعسكريين من الضباط وصف الضباط الذين يخدمون في القطع العسكرية المتواجدة في المنطقة الوسطى “حمص وحماة”.

استجاب حافظ الأسد لهذا الطلب، وحدد مكان إقامة المدينة بإشارة من يده لمرافقه الشخصي “أبو سليم دعبول” عند مروره على الأوستراد بين حمص ودمشق بعد مفرق القصير بحوالي “1” كم علي يمين الطريق بالنسبة إلى المسافر إلى دمشق، وقال له “عمَروا هون سكن للضباط” “نقلا عن مهندس كان عاملا في الانشاءات العسكرية حينها”.

هذه المنطقة التي حددها حافظ الأسد تبعد عن حمص باتجاه دمشق حوالي “30 ” كم بعد مفرق القصير غرب الطريق الدولي، تبعد عن الحدود اللبنانية حوالي 12 كم.

تفاجا المهندس “أحمد” باستدعائه مع معلمه “رياض شاليش مدير مؤسسة الانشاءات العسكرية في سورية وهو من أقرباء حافظ الأسد من جهة والدته” من قبل “أبو سليم دعبول” إلى القصر الجمهوري، وسلمهم مخططا بدائيا لضاحية سكنية، وطلب منهم استكمال المخطط وفقا لما يرونه مناسبا دون المساس بجوهره، وكان المخطط مرسوما على شكل اسم “حافظ الأسد من الأمام وبالأسفل عبارة قائدنا إلى الأبد”.

أخبرهم “أبو سليم” أن هذا المخطط قد تم وضعه وفقا لتعليمات الرئيس، وكان قد أطلق اسم “ضاحية المجد” على المجمع السكني المراد إنشاءه.

وأعطى تعليمات مباشرة بأن يتولى المهندس “أحمد” الإشراف على البناء وأخبرهم بأن عليهم الانتهاء من البناء وتسليم الضاحية خلال عامين.

وطلب من “رياض شاليش” تأمين كل ما يلزم وبأقصى سرعة من أجل المباشرة في العمل، وحدد لهم المكان الذي قرره حافظ الأسد من أجل البناء، وأعلمهم أن الميزانية المالية للمشروع غير محددة.

وحسب أحد المهندسين “س” الذين اشتركوا في وضع كامل المخطط وفقا للتعليمات بعد أن زاروا المنطقة المحددة، أصدروا تعليمات للدوائر العقارية ووزارة الدفاع بوضع اليد على الأرض المخصصة، وتحديدها ومنع أحد من استعمالها، وأبلغوا أصحابها بأن هذه العقارات قد خضعت للاستملاك للمصلحة العامة وأنه لم يعد لهم علاقة بها، وعلاقتهم أصبحت مع الدوائر العقارية ودائرة الاستملاك.

أخبر المهندس “س” المهندس “أحمد” بعد زيارتهم للأرض بأن هذه المنطقة غير صالحة لبناء تجمع سكني، وشرح له الأسباب وكان أهمها أن ميلان الأرض هو باتجاه الغرب وبالتالي فإن مجاري الصرف الصحي ستتجه باتجاه الغرب، ولا يمكن بناء محطة معالجة في المنطقة، لأن اتجاه الرياح غربي بشكل دائم، فهذه المنطقة تقع في وسط فتحة حمص الهوائية، والرياح نشيطة دائما، وهذا يعني أن الروائح الكريهة سوف تتجه باتجاه المجمع نفسه، وأخبره أن هذه المنطقة تصلح لوضع مراوح هوائية لإنتاج الكهرباء وليس للسكن.

ولكن المهندس “أحمد” طلب منه عدم الإفصاح عن رأيه والصمت بشكل كامل، لأن تعليمات البناء في هذه المنطقة لا يمكن مناقشتها، ومن يعترض عليها سيكون مصيره مجهولا، فلا أحد يستطيع الاعتراض على ما يقوله حافظ الأسد.

تمت المباشرة في البناء وبعد عامين “في الشهر 11 من عام 1998” أعلن الانتهاء من الأعمال دون أن تكتمل، خُصصت كل وحدة عسكرية بعدد من الشقق السكنية، وتم توزيعها على الضباط وصف الضباط وفقا لما هو متعارف عليه، حسب الواسطة والقرب من القيادة والرشوة.

يقول العقيد المتقاعد “محمد المحمد” استلمت شقت سكنية في الضاحية بعد تدخل عدة وساطات مع قائد وحدتي، وذهبنا بشكل جماعي لاستلام الشقق، وتفاجأت بوضع لم يكن في الحسبان، فعند وصولنا ودخولي إلى شقتي المخصصة، وجدتها بدون بلور والأبواب تحتاج إلى صيانة فمعظمها مشغول بطريقة سيئة ومن أردا الأنواع، وبدون مفاتيح وأجراس كهرباء، والبلاط في الأرضية يحتاج إلى تلميع “جلي”، والجدران مطلية بمادة رديئة وتحتاج إلى إعادة طلاء، والنوافذ بدون حديد، وبشكل عام كانت الشقق أقرب إلى ما تكون قيد الإكساء.

وأضاف لم نتمكن من الاعتراض وتحملنا تكلفة ليست بالقليلة، وذلك نتيجة فقرنا الشديد، فمعظمنا يسكن بالإيجار في حمص بما لا يقل عن “5” آلاف ليرة شهرية، بما يعادل أكثر من نصف راتبنا، وهذه المساكن كان إيجارها بين “250 و450” ليرة سورية فقط حسب المساحة، لذلك صمتنا.

وأضاف من ناحية ثانية لم يكن أحد منا يستطيع الاعتراض لأن هذه المدينة مخططة لتمجيد حافظ الأسد وتخليده على الأرض، وأي كلمة كانت تصدر من أحد الضباط كان يتم الرد عليه “هل تريد القول إن مدينة حافظ الأسد سيئة”، وقد تم استدعاء عدد من الضباط إلى فرع المخابرات العسكرية نتيجة تقارير إخبارية عن تذمرهم من سوء بناء المدينة السكنية.

وحسب المهندس “أحمد” الذي أشرف على بناء المدينة فإن اختيار اسم “ضاحية المجد” كان المقصود منه تخليد اسم “مجد” ابن حافظ الأسد الأصغر الذي كان مصابا بعاهة خلقية “المرض المنغولي” وكان متوقعا أن يموت في أي لحظة وبالفعل مات بعد عدة سنوات.

ولم تمض أيام على السكن في الضاحية حتى بدأ السكان من الضباط وصف الضباط يتذمرون من الروائح الكريهة التي كانت تأتي بها الرياح الغربية الدائمة من جورة الصرف الصحية الخاصة بها، والتي تم إنشاءها على بعد حوالي “1” كم باتجاه الجنوب الغربي وفقا لميلان الأرض.

وحسب أحد الضباط الذين تركوا الضاحية وانتقل بسكنه إلى مدينة اللاذقية فإن ضاحية المجد قد تحولت إلى مركز للتهريب من لبنان باستخدام السيارات العسكرية، بالإضافة إلى تفشي الدعارة بشكل كبير، وأصبحت مقصدا لشباب مدينة حمص للسهر، وتحولت إلى مركز أمني متقدم وقلعة للتشبيح، وقد سقط منها خلال الثورة السورية عشرات القتلى خلال قتالهم مع جيش الأسد ودفاعا عن مكتسباتهم ضد فصائل الثورة.

عللت المحللة النفسية “خولة سعد” رغبة حافظ الأسد بتخليد اسمه على الأرض بالطفولة التي عاشها كشخص منبوذ في قريته “القرداحة”، حيث جاء جدّه غريبا، وعمل خادما لدى عائلة آل إسماعيل، وكان هو واخوته منبوذين، ومجهولي الأصل، ولعلمه بأن الناس لا يمكن أن تنسى تاريخه، وهو شخصيا لا يمكن أن ينسى أنّ عائلة مخلوف قد رفضت تزويجه لوضاعة نسبه من ابنتهم مما اضطره إلى خطفها، ولم يجد أحدا يدفع له كفالة إخلاء سبيله من السجن نتيجة خطفه لها من أبناء طائفته التي أراد هو وعائلته الانتماء إليها، فلجأ إلى أحد وجهاء جبلة من أبناء المذهب السني، وليقينه في قرارة نفسه أن الشعب السوري لن يذكره إلا كمجرم وسارق لنفطه وبلده ومغتصب لحريته وكرامته، وأضافت كل هذا زاد من كرهه للشعب السوري فأراد أن يثبت له أن وجوده أبدي مثبت على الأرض بهياكل حجرية وغاب عن ذهنه أن تلك الأحجار سينهشها الفساد الذي عشش في بنية النظام الذي بناه ومن ثم أورثه لولده.

كتب

كتب طارق حاج بكري / غازي عنتاب 29/9/2019

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.
t>